تبدو الحكومة كأنها تعاني حالاً تخديرية بالنسبة الى الحاجات الاقتصادية. وهذا الواقع بالغ الخطورة لان الوضع في المنطقة مهدد بالاشتعال، كما ان ابتعاد المواطنين العرب عن لبنان بات مشكلة لم تظهر حتى تاريخه أبعادها الكلية. فالمواطنون العرب ليسوا الزوار الاغنياء فحسب، بل هم ايضا المستثمرون والعاملون على تشجيع التبادل بين لبنان وبلدانهم. ولولا تدفق اعداد من الاردنيين والعراقيين على لبنان على رغم تلبد الغيوم الامنية، لكان البلد يشكو الى حد أبعد مما نحن نواجهه. واذا استمرت حال الانقطاع، فقد نجد مستثمرين عرباً يسعون الى تصفية استثماراتهم وآخرين من اصحاب الودائع يسارعون الى سحب ودائعهم.
الوضع الاقتصادي صار متردياً والمظاهر الشارعية المسلحة نشرت الخوف مما يجري في لبنان، وهنالك عدد غير قليل من اللبنانيين يرغبون في مغادرة البلد بعد تصفية املاكهم وحساباتهم. هذا هو مستوى الازمة التي نعيشها، لكن الحكم في واد آخر، وقد تأخر عن تفحص حاجات الاقتصاد وامكاناته.
بعد تأليف الحكومة بشهرين أو ثلاثة اشهر، كان هنالك اعلان عن تحضير خطة اقتصادية اجتماعية للنهوض بالاقتصاد اللبناني. كان يفترض مبدئيا مناقشة هذه الخطة والاتفاق على توصيات نابعة منها في حزيران المنصرم، لكن الخطة في مسودتها الاولى ظهرت كأنها عبارة عن مراجعة اكاديمية لمبادىء موازنة المالية العامة، والطموح، دونما برمجة، الى انجاز مشاريع انشائية واعمارية.
والخطة المفترض ان تكون بمثابة خريطة، العمل التقويمي الانمائي، جاءت طوباوية وغير واقعية. فعلى سبيل المثال من نحو 30 صفحة تشمل المراجعة والتوصيات، نجد سطرين فقط عن قضايا السير. وأي اقتصادي ملم بالشأن اللبناني يعرف ان كثافة السير، واخطار المسالك، وتردي حال الطرق والجسور، تساهم في تبديد ما لا يقل عن 10 في المئة من حجم الدخل القومي، فكيف نشيح عن قضية حيوية كهذه بسطرين في برنامج لتصحيح اوضاع الاقتصاد والمجتمع؟
ان الحكومة الحالية تحظى بعدد من ذوي المعارف والخبرات في شؤون الاعمال والاقتصاد والادارة، ومع ذلك تبدو كأنها في غيبوبة، أو قيلولة، عن الحال المتردية.
رئيس الوزراء رجل أعمال ناجح على نطاق اقليمي ودولي وكذلك وزير المال.
وزير السياحة صناعي ذو خبرة في لبنان واوروبا. ووزير الصناعة رجل ناجح في عمله سواء في لبنان أو في الولايات المتحدة.
وزير الاتصالات تمرس بالشأن الاقتصادي من طريق العمل في مؤسسة مصرفية كبيرة طوال 15 سنة على الاقل، كما كرس وقتا لحيازة الماجستير من كلية ادارة الاعمال الـESA.
وزير الدولة مروان خير الدين حامل ماجستير في الاقتصاد وادارة الاعمال، وخبير في الادارة المصرفية سنوات على أعلى المستويات، ومارس التعليم رغبة في الاستمرار في التعرف على التطورات الجديدة.
وزير الاقتصاد تولى ادارة شركة صناعية كبيرة فترة طويلة وعمل مستشاراً وخبيراً الى جانب رئيس مجلس الوزراء.
والى هذه المجموعة من المتميزين بالمعارف والخبرات لا بد من الاشارة الى خبرة الوزير فنيش سواء على صعيد الاصلاح الاداري أو معالجة قضية الكهرباء التي هي المعضلة الرئيسية اقتصاديا وحضاريا في لبنان، وكان من اوائل المطالبين باشراك القطاع الخاص في برنامج تطوير خدمات الكهرباء عندما تولى وزارة الطاقة.
اننا نؤكد بشكل قاطع، ما دام الزوار العرب مبعدين عن لبنان، ان انتفاضة لبنان اقتصاديا لن تتحقق في المستقبل القريب، ما لم نقبل على تنفيذ خطة تطوير تمديدات الكهرباء وتأمينها للمشتركين من دون انقطاع، وخفض تكاليف الانتاج الى حد يجبر اصحاب المولدات على التخلي تدريجا عن تحكمهم برقاب المستهلكين.
الوزير جبران باسيل في ملخصه التنفيذي لخطة الكهرباء عام 2010 وفي الصفحة الاولى لحظ الخطوات المطلوبة، سواء على صعيد الانتاج، أو النقل، أو قياس الاستهلاك من بعد، والاعتماد على الغاز وتأمين ايصاله الى معامل انتاج الكهرباء ومصانع الاسمنت والكيماويات عبر خط يربط الشمال بالجنوب.
وهو في تلخيصه وفر تقديرا لمجمل النفقات المطلوبة لتأمين الكهرباء مدى 24 ساعة بدءا من 2014 يتوزع بين القطاع العام بنسبة 30 في المئة والقطاع الخاص بنسبة 50 في المئة والمؤسسات الدولية والمانحة بنسبة 20 في المئة، وهو يؤكد ان الحاجة الى دعم انتاج الكهرباء ستنتفي في 2014، الامر الذي يحقق وفراً يوازي اربعة مليارات دولار.
اننا نشاطر الوزير باسيل تصوره هذا، ونطالب بالاسراع في تنفيذ المخطط الموضوع منذ سنتين، وبعض جزئيات المخطط، بدا تنفيذه على صعيد شركات التحصيل وتركيب العدادات الألكترونية، ونرى ان الانطلاق في تنفيذ برنامج الكهرباء يمثل البداية الحقيقية لانتشال لبنان من ازمته الاقتصادية.
ولا شك في ان فرص نجاح تجاوز المحنة التي نعيشها تتعزز في حال اشراك القطاع الخاص مثلا في تطوير خدمات الهاتف وتحديثها، فشركتا الهاتف الخليوي صارتا مبدئيا ملك الدولة منذ 2002، ومذذاك والخدمات تتردى!
ان الحكومة تخشى حاجات التمويل، ونحن نرى ان في امكان هذه الحكومة المخدرة بالذات، اصدار سندات دين عام بقيمة خمسة مليارات دولار، تخصص لتطوير انتاج الكهرباء وشبكاتها، وتوسيع مصفاة طرابلس، وتفتح باب المساهمة امام عشرات الالاف من اللبنانيين، بفائدة خمسة في المئة سنويا، على ان يفسح في المجال لتحويل المساهمة المالية الى أسهم بعد خمس سنوات.
لاشك في ان هذه العملية ممكنة، ولا شك في انها المدخل لتحريك الاقتصاد، ولا نشك في نجاحها اذا ابعدنا ادارة مرافق انتاج الكهرباء والتكرير عن سيطرة القطاع العام وكذلك خدمات الاتصالات.
كلمة اخيرة. المسؤول عن شؤون لبنان في البنك الدولي خبير من بنغلادش، ومعلوم ان بلاده تعاني الفقر والحاجة الى التطوير الملح. وعند زيارته لبنان تعجب لان الكهرباء والمياه غير متوافرة لجميع اللبنانيين بشكل منتظم وقال ان وضع بنغلادش أفضل. لقد كنا نعرف ان وضع بنغلادش على صعيد الانترنت والتهاتف أفضل مما هو في لبنان، وبات علينا ان نضيف الكهرباء والمياه. استفيقي، ايتها الحكومة.