في خطوة غير متوقعة من حيث التوقيت والمدلولات، أقرّت الحكومة اللبنانية "مبدئياً" اعادة تشغيل "مطار الرئيس رينه معوض"، المعروف بـ"مطار القليعات" في الشمال، علما ان الرئيس نجيب ميقاتي كان أعد خطة لفتح هذا المطار عندما كان وزيرا للاشغال العامة والنقل، إدراكا منه للأهمية التنموية والاقتصادية – الاجتماعية التي يحملها. لكن توجُس صقور "النظام الامني اللبناني – السوري" (آنذاك) منها وغياب التوافق حولها، أعاقا امكان تطبيقها وتعميمها كنموذج للنمو الاقتصادي، والانماء المتوازن في مختلف المناطق اللبنانية، والنهوض بالقطاعات المنتجة والمرافق الخدماتية العامة. كما ان الذهنية "العسكر – امنية" عينها أعاقت وتعوق القيام بسلسلة اجراءات ضرورية لتسهيل انتقال المسافرين عبر "مطار رفيق الحريري الدولي" في بيروت، منها اعتماد "البوابة الالكترونية" (e-gate) للخروج والدخول من والى لبنان، وتوفير خدمات "الاستقبال والمساعدة" عند ابواب الطائرات، وغيرها من الخدمات ذات القيمة المضافة.
المشكلة ان "تجار السياسة" في لبنان يتحدثون دائما عن الانماء المتوازن، ويستفيضون في اللامركزية واللاحصرية الادارية، ويزايدون في ضرورة ايجاد فرص عمل جديدة لمن تبقى من اللبنانيين ولم يهاجر او ييأس بعد! لكن، عندما يتطلب الامر منهم تغيير الذهنية السائدة وتطويرها، او اتخاذ قرار معين، او القيام باجراء محدد، تأتي الاعذار قبل الافعال، خصوصا تلك المبنية على حسابات سياسية وطائفية ومذهبية وانتخابية ومنفعية، من دون الاخذ في الاعتبار البُعد الوطني للمشاريع المطروحة، ولا المُعطى التنموي الاقتصادي – الاجتماعي العائد لها. إذاً، هكذا وبكل بساطة، نسمع بعضهم اليوم يدافع عن فكرة تفعيل مطار ثان في البلد، فقط لأنها تتناسب مع اهدافه والمتغيرات الاقليمية، بينما يعارضها آخرون لأنها لا تخدم مصالحهم الآنية، ولا تسهم في إبقاء ميزان القوى لصالحهم. بموازاة ذلك، تبقى مسألة "دراسة الجدوى" – بالارقام والعائدات والاعباء – من وراء اعادة تشغيل او انشاء مطار جديد، بل مطارات عدة كما في الدول المتقدمة، في مهب الريح والتصاريح… وتبقى عالقة معها عملية انماء المناطق النائية، وضرورة ايجاد فرص عمل لابنائها، وجذب الاستثمارات لبناء الانشاءات الحديثة فيها، وتزخيم حركة الانتاج، وتوفير صناعة نوعية وزراعة خيرة، وتعزيز حركة الاستيراد والتصدير، وتأمين وسائل نقل متطورة… وأخيرا، تشكيل "الهيئة العامة للطيران المدني" للارتقاء بالنقل الجوي الى العالمية.
ان رحلة الانماء المتوازن الحالمة تبدأ من "مطار القليعات"، ولا تنتهي معه! وفي الانتظار، نبقى معلقين في الهواء، حالمين بجنسية مزدوجة، وتأشيرة سفر… وتذكرة "روحة بلا رجعة"!