يتردد في اوساط الأمم المتحدة ان انطلاق الصواريخ في جنوب لبنان سيكون المؤشر الى انهيار النظام السوري. وهذا ما تنتظره اسرائيل لتوجيه الضربة الى المفاعلات النووية الايرانية.
كثرت مرويات البطولة التي فاخر بها اللبنانيون عقب معركة الفنادق (كانون الاول 1975). وهي معركة شرسة استمرت اسابيع عدة تنازع خلالها "المرابطون" وشبان "الكتائب" على احتلال فنادق الفينيسيا والكازار والهوليداي إن. وكانت رايات المتقاتلين ترفع من الشرفات المحترقة لتبلّغ الاعلاميين في الخارج عن هوية المنتصر.
ومع ولادة "المرابطون" في المنطقة الغربية من بيروت، ولدت في المنطقة الشرقية ميليشيات مختلفة كانت متعاطفة مع نهج الكتائب والاحرار بينها حراس الارز وحركة التنظيم.
وحدها الطائفة السنية اعتمدت على سلاح المقاومة الفلسطينية لحماية الارواح والممتلكات، ولم تدخل في "بازار" الميليشيات التي تقاسمت مؤسسات الدولة، بدءا من بنت جبيل في الجنوب حتى نهر البارد في الشمال. وقد ارضى هذا الدور ياسر عرفات الذي تفيأ في لبنان ظلال السنة ودروز كمال جنبلاط، كي يتقي بهما احتمالات المخاطر التي واجهته في الاردن سنة 1970.
المهم ان معركة الفنادق التي خاضها "المرابطون" الى جانب القوات المشتركة للحركة الوطنية، ابرزت ابرهيم قليلات كزعيم بيروتي جديد بسط سلطته على كل المنطقة الممتدة من شارع المزرعة حتى المتحف.
حدث مرة ان زاره الرئيس تقي الدين الصلح ليعاتبه على سلوك جماعته على المعابر الحيوية. ولما اشتدت حدة النقاش، وشعر قليلات بالاحراج امام انصاره، انبرى للدفاع عن موقفه بتوجيه سؤال الى منتقده قال فيه: "انا يا تقي بك… امثل المقاتلين. ممكن اعرف انت مين بتمثل؟!". وأجابه الصلح فورا: "انا امثل المقتولين… ونحن في لبنان الاكثرية".
ومثل هذا الوضع المؤلم الذي خبره اللبنانيون طوال خمس عشرة سنة، ودفعوا ثمنه دماراً شاملاً اضافة الى موت 120 الف نسمة… هذا الوضع لا يحاكيه في التعاسة سوى وضع سوريا حالياً. لذلك وصف مراقبو الأمم المتحدة الذين غادروا دمشق، الأحوال الأمنية بأنها ستزداد سوءاً بسبب تنامي روح الانتقام بين النظام والمعارضة. خصوصاً ان سيد النظام مقتنع بأن الثورة التي اندلعت قبل 17 شهراً ليست اكثر من مسرحية دولية يمثل فيها اناس مأجورون ومرتزقة يجب تطهير البلاد من رجسهم.
وعلّق على كلامه رئيس المجلس الوطني السوري الدكتور عبد الباسط سيدا، معتبراً "ان الثورة لن تتوقف الا اذا رحل بشار الاسد مع عصابته الحاكمة". ورأى ان العجز الدولي عن التدخل العسكري، سينسف مهمة الاخضر الابرهيمي قبل أن تبدأ.
ومع اصرار الفريقين على تطبيق اسلوبهما، تزداد مخاوف الدول المجاورة من ازدياد اعداد اللاجئين الذين فروا الى تركيا والاردن ولبنان والعراق وكردستان. وتشير تقديرات الأمم المتحدة الى ان عدد الهاربين من ساحات القتال في سوريا، تخطى المئتي الف نسمة قامت تركيا باستيعاب ثمانين الفاً منهم. ونقل عن وزير الخارجية احمد داود اوغلو قوله: "اذا زاد عدد اللاجئين على مئة الف شخص، فإن تركيا مضطرة الى عرض اقتراح يقضي باقامة منطقة آمنة تحرسها قوات اجنبية".
وقد ايدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون الاقتراح التركي مشيرة الى وجود عقبات قانونية تحول دون تنفيذه. كذلك عارضت روسيا فكرة انشاء منطقة حظر جوي شبيهة بالمنطقة التي اقامها حلف شمال الاطلسي في ليبيا تمهيداً لاطاحة نظام معمر القذافي. وأعلن الوزير الروسي سيرغي لافروف ان بلاده ترفض استخدام المخاوف الانسانية مبرراً لاقامة مناطق حظر جوي.
فرنسا من جهتها دعت الى مناقشة فكرة المنطقة العازلة بناء على اقتراح الرئيس فرنسوا هولاند، ولكنها استبعدت في الوقت ذاته، احتمال حصول تفويض من مجلس الأمن نظراً لاستعداد روسيا والصين لاستخدام حق النقض.
وتشهد الساحة اللبنانية يومياً اشتباكات متواصلة على الحدود الشمالية في طرابلس امتداداً الى منطقة البقاع. ولبنان من دون شك من اكثر الدول تضرراً وتأثراً بالحرب الاهلية في سوريا. ذلك أن الدولة ترزح تحت مسؤولية استضافة 40 الف نسمة. وهذا رقم ضخم بالنسبة لبلد صغير توقفت مصادره السياحية والمصرفية منذ 17 شهرا. وبدلاً من ان يساعده النظام في دمشق على صون وحدة لبنان، رمى في احضانه كل ما يؤدي الى تمزيق اواصر الحياة السياسية الهشة. وكان من الطبيعي ان يقود هذا الوضع المشوش الى مقاطعة الدول الخليجية التي تعرّض مواطنوها للخطف والتهديد كجزء من الانتقامات التي تطلبها سوريا ضد اعدائها واعداء ايران. وقد ساهمت الخطب الاستفزازية التي تطلقها جماعة 8 آذار، في توسيع شقة الخلاف الداخلي، الأمر الذي يمهد لتفجير حرب مفاجئة اذا ما استمر نصف لبنان في تغليب مصلحة سوريا على مصلحة الوطن الصغير. ويتردد في اوساط الأمم المتحدة ان انطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، سيكون المؤشر الى انهيار النظام السوري. وهذا ما تنتظره اسرائيل لتوجيه الضربة الى المفاعلات النووية الايرانية.
صحيح ان الاردن نجا، حتى اليوم، من عواقب الحرب السورية، ولكن عمان ترزح تحت اعباء التحديات المتأتية عن استقبال لاجئين ومهاجرين عراقيين وفلسطينيين. وهي حالياً ترزح تحت اثقال اكثر من 180 الف لاجئ سوري. ويعترف وزير الدولة لشؤون الاعلام سميح المعايطة، بأن تدفق اللاجئين يفوق قدرات الدولة على استيعابهم، خصوصا ان العام الدراسي الجديد سيبدأ الاسبوع المقبل.
تقول مصادر رسمية في بيروت ان لاجئي سوريا في لبنان، لم يجدوا الأمان الذي ينشدونه بسبب تزايد عمليات الخطف وعجز الدولة عن حمايتهم. وقد وجد الفقراء منهم الملاذات الآمنة في مدارس الشمال ولدى انسبائهم في المناطق الحدودية. بينما انتشر المنتمون الى الطبقة الوسطى في بيروت، وفي الضواحي البعيدة عن أعين المسلحين.
ويرى المراقبون في تأثير الحرب الاهلية السورية، مصدراً للقلق والتوتر على طول الحدود الفاصلة بينها وبين تركيا. ويواجه رجب طيب اردوغان من تبعات هذا التأثير، تحديات خارجية لم يسبق أن واجهته من قبل. فهو من جهة، امر بانتشار الجيش على طول الحدود… ومن جهة اخرى، ارسل قواته للمرابطة على المثلث الحدودي الايراني – العراقي – التركي لمواجهة حزب العمال الكردستاني. كذلك ارسل وزير خارجيته داود اوغلو الى اربيل للاجتماع برئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني بهدف طلب مساعدته في مواجهة حزب عبدالله أوج ألان.
وفي تطور لافت، زادت الفرقة السورية الرابعة من استخدام الطيران في معركة حلب بعدما سيطر الجيش الحر على الكثير من احيائها الداخلية. ولكن القصف المركز الذي قام به الطيران الحربي، اجبر اربعمئة مقاتل على الانسحاب في اتجاه تركيا.
واشنطن حذرت انقره من التورط في نزاع الحدود لأن دمشق تسعى لجرّها الى حرب اقليمية يستفيد منها النظام لتوحيد الصفوف في مواجهة قوات اجنبية. ومع ان اردوغان ينظر بعين القلق الى تعاظم نفوذ "القاعدة" في حلب وشمال سوريا، الا انه امر بمنع تزويد الجيش الحر بصواريخ مضادة للطائرات خوفاً من تحوّل ريف حلب بازاراً لبيع الاسلحة.
دمشق من جهتها اتهمت الاستخبارات الغربية بعملية التفجير التي استهدفت القادة الأمنيين الاربعة المقربين من الاسد. كذلك اتهمت انقرة بالاشتراك في التخطيط لأن تركيا في تصورها، تحاول تفكيك سوريا الى ستة اقاليم، مثلما كانت في العهد العثماني. ومن خلال ذلك التفكيك يمكنها السيطرة على نصف سوريا.
الرئيس التركي عبدالله غول ينفي وجود خطة من هذا النوع، لأن بلاده لن تبقى بمأمن من تداعيات التحول الجغرافي. وبما أنها مؤلفة من مجموعات اثنية ومذهبية كالعلويين والاكراد والسنة، فان تفككها هي الاخرى يبقى من المسلمات، خصوصاً ان الحدود البرية بين البلدين تبلغ 911 كيلومتراً.
وفي رأي غول، ان الحرب الاهلية في سوريا لن تتوقف ما دام النظام لا يقر بحق المواطنين في طلب الحرية والمساواة والانتخابات النزيهة الشفافة. وفي تعليقه على هذه الطروحات رفض الرئيس بشار الاسد هذا المنطق، مؤكداً في الحديث الذي اجراه هذا الاسبوع مع قناة "الدنيا" ان هناك ارتباطاً وثيقاً بين سياسة هذه الدولة وعقيدة الشعب السوري، وبسبب هذا التلاحم، وبسبب القوات المسلحة، استطاع هذا البلد أن يصمد.
ورأى رئيس المجلس الوطني السوري الدكتور عبد الباسط سيدا، في تحليل الرئيس الاسد افتراء على الحقيقة، لأن غالبية الشعب السوري تلتف حول المعارضة، ولأن استمرار النظام رهين الفيتو الروسي – الصيني. وقد فسر اطلالة بشار عبر قناة تملكها الدولة، تسلطاً غير مقبول واستخفافاً بعقول المواطنين الذين يضحون بأنفسهم من أجل استرداد حريتهم المصادرة لا من أجل عقيدة بعثية عتيقة تحكمت في مصير البلاد والعباد مدة نصف قرن.
مطلع انفجار حركة التمرد في سوريا، كتب احد الاختصاصيين بالشأن العربي، مقالة اكد فيها اتساع نطاق الانتفاضة، مذكراً بأن النظام كان قد عقد صفقة مع الشعب مفادها: "انا اوفر لكم الاستقرار مقابل التنازل عن الحرية". وقال الكاتب: ان الشعب السوري قرر الغاء تلك الصفقة، لأنه يطالب باستعادة حريته المصادرة ولو أدى ذلك الى فقدان الاستقرار. وهذا ما يحدث بالفعل.