#dfp #adsense

.. والجولات الأخيرة لن تكون الأخيرة!

حجم الخط

على امتداد حروب الآخرين على لبنان، من أنظمة عربية استبدادية واسرائيل، والغرب، عرفنا كيف تبدأ جولة عنف وكيف لا تنتهي. منذ 1969 كانت تندلع اشتباكات هنا، ثم يتوصل "المشتبكون" إلى وقف اطلاق نار. يتفقدون آثار الخراب والدمار التي أحدثوها، يعدّون الضحايا، وفي الوقت ذاته يتسلحون. ثم يزيدون عتادهم، وعديدهم، ثم، إلى الجولة الثانية. وهكذا دواليك. في تلك الفترة كانت الدولة تتداعى، وانخرط مسؤولوها وزعماؤها وأحزابها وجيشها في لعبة "الجولات" والحروب المتنوعة الشعارات والمرسومة في الخارج، والمنفذة في الداخل. وهكذا كنّا نعّد الأيام بالجولات، وبالقتلى، وبدمار المدن والقرى، وباعداد المهجرين والمخطوفين والمقتولين على الهوية الحزبية أو الطائفية والمذهبية! ذكرتني المعارك التي بدأت تتوالى منذ أكثر منذ ربع قرن في طرابلس، بين جبل محسن وباب التبانة وبين سواهما، بتلك المناخات: تجمعات أو أحزاب تجلب السلاح والمال والأوامر من الخارج، ثم تخوض معارك سواها. (هذا ما حصل على امتداد ربع قرن)، من دون رادع. وغالباً ما تكون الدولة "على الحياد" وغالباً يعني الحياد، إما التواطؤ، أو العجز، أو التشجيع، أو الغياب، أو كلها معاً. فالسلاح موجود والذخائر وفيرة ما شاء الله. والإرادات "الوطنية" جياشة، والعملاء مثل "الكشك". تندلع الجولة، تقف القوى الأمنية بين المتحاربين من دون التمييز بين معتدين وضحايا… تتوصل مع الأطراف، وبالتراضي، (أو بالتراضي او التغاضي) إلى وقف هش لإطلاق النار: يتراجع المسلحون إلى جحورهم بكامل عديدهم وعدتهم وبدون أي محاسبة أو محاكمة عما اقترفوه.. ليستعيدّوا "بغير التراضي" لجولة ثانية تكون "أقوى" وأفعل وأكثر خراباً ودموية!

رائع! يستريح الناس. يتفقدون منازلهم ومحالهم ومرافقهم المنكوبة، يحصون ضحاياهم، ثم يعودون إلى حياتهم "غير الطبيعية" في انتظار جولة أخرى "طبيعية". قبل عدة أيام، شهدنا جولة دموية في طرابلس وبظروف "استثنائية" هذه المرة: القبض على ميشال سماحة وفي مناخات تداعي النظام السوري. إذاً، لا بد من "جنون" يغطي هذه الأحداث. فلننتقم ممن اعتقلوا سماحة! ولنحاول "تغطية" اكتشاف المؤامراة التي كان يعد لها، مع النظام السوري، لإثارة فتنة مذهبية في لبنان، ولنحول الأنظار عن المجازر التي يرتكبها ذلك النظام، بل ولنجرّب، انطلاقاً من ذلك بتعميم فتنة تشمل كل لبنان. حرب أهلية طائفية تمزج بين ما يجري في سوريا وفي لبنان فتكون هذه الحرب (كما يعتقد من تبقى من النظام البعثي) ورقة يستخدمها لانقاذ نفسه، وليقول للعالم إن هؤلاء "السلفيين" والإرهابيين (ويعني الثوار) هم أساس المشكلة في سوريا.. ولهم نظراؤهم أيضاً في لبنان. هذا ما يسعى إليه النظام الحاقد على هذا البلد الصغير، والذي لم يُضمر له سوى الشر والأذى. فعملاؤه في جبل محسن بقيادة "الجناح العسكري" لآل عيد (في موازاة الجناح العسكري لآل مقداد، أحد الأجنحة العشيرية المسلحة في حزب الله) اعلنوها حرباً على أهل مدينتهم. وكأن طرابلس تل أبيب! وبالحقد "الآتي باسم النظام البعثي مارسوا لعبة الأرض المحروقة، تماماً كما يفعل حالياً "الكيان" البعثي المحتل في سوريا! انتهت مع "بتوع" الأقنعة السوداء من عشيرة الحزب الإلهي في الضواحي والتي ضربت الموسم السياحي والاقتصاد والأمن وتهجير الرعايا العرب (والعرب صاروا لعنة على أفواه جماعات وصاية الفقيه دام ظله الشريف باعتبار ان الفرس "أولى"!) ومن ثم هدنة في احدى الجولات الاثنتي عشرة منذ 2005 في الفيحاء، قلت انتهت؟ بل "تأجلت" باعتبار الجولة الأخيرة لم تحقق أهدافها الكاملة، لأنها اقتصرت على مدينة طرابلس، فقط. وكان يشتهي النظام السوري فاقد الشرعية والسيادة والاستقلال، ان تمتد النيران إلى أبعد من ذلك: إلى عكار مثلاً، إلى البقاع. إلى بيروت، ليستمتع من تبقى من "الكيان" السوري بمشاهد الجثث والخراب والدمار في لبنان، استمتاعهم بهذه المجازر التي يرتكبونها واخرياها في داريا، وباعدام الأطفال (2000 طفل ذبحوا في سوريا الممانعة!) والإبادة الجماعية والتهجير (أكثر من مليوني سوري مهجر في الداخل والخارج رائع. من نظام "حماة الدار" إلى نظام تدمير الدار وتهجير السكان!) ولأننا عدنا لا نعرف من بقي من النظام ومن انشق عنه، ومن غادره، يبدو لنا، ان هذا النظام لم تبق له سوى مساحات "الجثث" والركام، والحطام والجدران المتهاوية والمقابر الجماعية والشوارع المدمرة، والدماء الجارية ، تتحرك عيونه عليها. لم تتبق له "أرض" او " أمكنة" أو مقار، أو مراكز.. كأنما صارت أمكنة افتراضية أو الفضاءات التي تخترقها الطائرات الحربية الروسية وتقصف الأحياء والمدن والتجمعات وجمهور التشييع… فجزء منه النظام في "الجو" (فكأنه صار نظاماً جوياً بكائنات جوية، وعقول لوناتيكية) وكأنها صارت "أمكنته الأخرى، الدبابات والمدرعات. صار نظاماً من خردة المعادن ومن نحاس الرصاص ومن دخان المدافع. يتحرك في مكانين: الطائرات والمصفحات. فَقَدَ الأرض، فقد المكان. نظام بلا مكان. وبلا أرض. بلا سلطة. بلا سيادة. فأي نظام هذا لا يسيطر إلاّ على الطيّارين في الجو، والجنود على الأرض. وهذا يعني ان هذا النظام صار بلا جمهورية، وان الجمهورية باتت بلا نظام: جمهورية بلا ناسها وناسها بلا جمهورية، اقصد ان "جمهورية" الثوار غير المعلنة، تحتل الجغرافيا والحدود تُحركها الحرية والديموقراطية والكرامة والحلم. فها جمهورية شاغرة في نظام شاغر، وها هي جمهورية طالعة بجماهير ممتلئة. حكومة بلا حكومة، ولا مجلس شعب. ولا إدارة فقط حفنة من أهل المخابرات ومن الجماعات إما لم يتوفر لها سبل الهروب أو ابقتها أواصر القربى والتواطؤ والقتل. فالثوار يتقدمون على امتداد الجغرافيا السورية، والنظام يتقدم في المجازر. الثوار يتقدمون في انتصاراتهم الميدانية، والنظام يتقدم في تدمير الميادين ، الثوار يتقدمون في بناء اراداتهم الاستقلالية والوطنية والسياسية التوحيدية والنظام يتقدم في استسلام بقاياه للنظامين الروسي والإيراني. الثوار يتقدمون في نضوج تجاربهم وفي لعبة الحكم والنظام يتقدم في ارتمائه كلعبة في ايدي نظام بوتين وولاية الفقيه. الثوار يتقدمون في تعزيز معنوياتهم وآمالهم وتطلعاتهم المستقبلية والنظام يتقدم في "انهيار" معنوياته. الثوار يتقدمون في وحدتهم التي تتكرس بالشجاعة والدم والاقتحام والنظام "يتقدم" في "انشقاقاته" اليومية، وفي تبعثره السياسي، وشتات أركانه.. وضباطه وسياسييه ومسؤولييه. الثوار يتقدمون في صورة التاريخ الجديد للربيع العربي، والنظام يتقدم في سقوطه خارج التاريخ. نظام بات في اللاتاريخ. في الماضي المجهول والمستقبل المظلم.

لكن مع هذا فالنظام الذي احرز خطوات مهمة في دروب "يأسه" واحباطاته وهزائمه ها هو يعتمد لعبة شمشون ودليلة، (لكنه الشمشون الذي فقد دليلاه.. وقصَّتْ شعرَه مكمنَ قوته.. شمشون بلا شعر!): علي وعلى اعدائي"، "بعدي الطوفان"، بعدي "العدم"، بعدي اللاحياة. هكذا يتصرف اليوم في نهاياته الموعودة. لكن، ولأن هذا النظام "فاقد" البصيرة والحكمة والعقل السياسي والقائم على عناصر القتل والقمع والأمن لا يريد ان يكتفي بما يرتكبه في سوريا: فلينفجر العالم كله معي! (إلاّ اسرائيل طبعاً). اي، فلتعمِّ الفوضى والموت والخراب حيث يمكن أن نعمّمها. الأردن صعبة! مصر؟ مستحيلة. الخليج؟ بعيد. العراق؟ أكل نصيبه. من الفلسطينيون: نعم! فليكونوا هشيماً في مخيماتهم في سوريا وفي لبنان. اقصفوا المخيمات! وقُصفت المخيمات، اعتقلوهم! فهم عملاء فاعتقلوا فلسطينيين. اما لبنان، فليس اغلى لا من "شعبي" (العظيم، 99,99 بالمئة) ومدنه ليست أحب إلى قلبي لا من درعا ولا من حماة ولا حمص ولا داريا ولا دمشق ولا حلب ولا أدلب… وعندكم يا عملائي في لبنان "النماذج" المثالية التي نمارسها عندنا وعليكم نقلها إلى لبنان! فلتقمِ القيامة في هذا البلد الذي "حكمناه" بالجزمة اربعة عقود! وليخرب. فما زال عندنا عملاء في لبنان، وحلفاء… ومرتزقة وقتلة وأجهزة أمنية واجنحة عسكرية: لائحة اغتيالات بفلان وفلان من شأنها اثارة فتنة شيعية سنية مسيحية والشعارات جاهزة. السلفيون السنة هم الذين يرتكبونها! الاتهامات جاهزة وقد عرف ميشال سماحة، عميلنا المفدى، كيف يُعدّها بتبشير اللبنانيين بوصول القاعدة والسلفيين والارهابيين الى عكار وطرابلس. العدة يجب ان تكون جاهزة: اخونا ميشال جاهز! والمتفجرات باتت جاهزة في لبنان؟ سُلمّت؟ نعم! رائع! براو علي المملوك. انت رائع. انت نموذج الوطني الديموقراطي الممانع العبقري المقاوم. والعميل؟ موجود! نعم! عال!: اذاً ازفت ساعة الصفر!اذاً فجرّوا التجمعات، الافطارات، الجوامع بمن فيها، ولمَ لا الكنائس. اقتلوا مفتي طرابلس. (لا تدقوا بالعلويين)، وكذلك خالد الضاهر ولا تنسوا وليد جنبلاط (وحتى نبيه بري!) وسعد الحريري… ولمَ لا البطريرك الراعي، خصوصاً في زيارته عكار: قتل بطرك الموارنة على أيدي "السنة" في عكار… جدير بالاهتمام(!) حرب سنية مارونية، في عكار، تؤازرها حرب علوية سنية في طرابلس، وعميلنا رفعت عيد جاهز؟ نعم! انه دائم الجهوزية رائع! فهو مخلص حتى تدمير مدينته واهله رائع!

هذه هي اجواء النظام السوري، التي رأينا نموذجها الواضح في طرابلس، ربما اغاظه جداً توقف القتال، ربما أغاظه عدم شمول الفتنة اماكن أخرى. ربما أغاظه النظام "قلة" الضحايا… والخراب. يريد دماً اغزر. تدميراً اكبر. ملحمة من اللحوم البشرية والنفوس الزاهقة. لكن الجولة الثانية عشرة توقفت. وعلى الرغم من عدم رضاه على عملائه لتقصيرهم عن احداث ضرر اكبر في طرابلس إلاّ انه (أي النظام) مطمئن إلى استمرار وجود عملائه هناك. (وربما بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية والعسكرية المتواطئة كذلك) والى وجود السلاح بكثرة. والذخائر والمال رائع! فالمسلحون ما زالوا في متاريسهم. وقد باتوا بارعين وخبراء في افتعال فتنة أخرى. فالحل بوقف القتال بين جبل محسن وباب التبانة وطرابلس بعيد. فكل الأسباب والدوافع والعدة والعديد ما زالت شغالة. وكل وقف اطلاق نار… يستتبع جولة إطلاق نار أخرى. وهنا بالذات نتذكر الجيش الذي نقدر له دوره الأخير في فض الاشتباكات. لكن ما هو لافت ان الذين قاموا بالفتنة ما زالوا طليقين وهم معروفون وما زال الأميرال نيلسون رفعت العيد متمترساً في جبهة قتاله. وما زال السلاح يتدفق، اذاَ، السؤال: كيف ينتهي القتال.. والسلاح باق؟ لماذا ينهي القتال ولا عميل أو مجرم يحاسب أو يُحاكم. فهل يعني ذلك ان ابقاء السلاح في أيدي هؤلاء واجب مفروض . أيعني ذلك ان فتائل الحروب هناك (وفي أمكنة اخرى) ما زالت في ايدي النظام السوري ومرتزقته في طرابلس وأبعد منها. وهل يمكن اعتبار ان جمع السلاح من أيدي هؤلاء هو خط أحمر للجيش ولقوى الأمن وللدولة؟ وهل هناك تمييز بين سلاح وسلاح؟ بل وهل يمكن اعتبار ان سلاح آل العيد هو سلاح الممانعة والمقاومة… ومصادرته تعتبر خدمة لاسرائيل وللصراع العربي الاسرائيلي في كل العالم العربي! رائع! سلاح "الجناح العسكري" لآل عيد مقدس، كسلاح آل مقداد، ورصاصه "الهي" كرصاص آل مقداد، من يخبرنا ماذا يفعل هؤلاء الذين روعوا الضاحية (جماهيرية حزب الله العظمى) ولماذا لم يحاكموا "البطل المقنع زورو الذي حاول احراق نيو.تي.ي."؟ والسؤال يوجه ايضاً إلى جماعات النظام السوري في جبل محسن وطرابلس… بل ونسأل أين صار ذلك المجرم المعلوم الذي حاول اغتيال سمير جعجع، والآخر الذي حاول اغتيال النائب بطرس حرب.. ونظن ان ابقاء السلاح بأيدي المقاتلين في طرابلس، وعدم محاسبتهم وعدم نزع سلاحهم وقبول قرار حزب الله باخفاء المجرم (محاولة قتل جعجع) او ترك المقنعين من آل مقداد… أحراراً، يعني ضمناً وظاهراً تهديداً مباشراً، واعلاناً صريحاً، بأن الجولة الأخيرة في طرابلس، لن تكون الأخيرة. وان محاولات الاغتيال ستتكرر. وان جنون القمصان والأقنعة السود سيستمر… وان كل ذلك شرط من شروط هيمنة حزب الله وضرب الدولة، وكذلك تقليص "دور الجيش" وايضاً شل القضاء اللبناني.. وهذا يعني ان على اللبنانيين ان يستمروا في انتظار ميشال سماحة آخر وآل مقداد وآل عيد آخرين… كأنما يقولون إن لا سلم ولا سلام في لبنان، ولا مال ولا اقتصاد ولا جيش ولا قوى أمن ولا عدالة ولا دولة ولا نظام.. ولا سلطة.. إلاّ في ايدي الوصايتين، أو ما تبقى منهما، عند المتعهد الأساسي، والوكيل الحصري حزب الله المتربع على جماهيريته العظمى.

ولهذا نظن ان محاولات الاغتيال ستتكرر. وانتقال الفتن سيستمر. والمعارك والفوضى المتنقلة ستبقى شغالة، والجولة الأخيرة في طرابلس لن تكون اخيرة!
وبطولة المقنعين في الضاحية ستزدهر تجارتها وجنونها! خصوصاً وأن البطل الأسود من "السرايا" خرج من السجن منتصراً وأطلقت العيارات النارية بخروج "البطل الإلهي" تماماً كما رُش العميل فايز كرم بالرز والورد.. وبذبح الخراف ابتهاجاً بخروجه من السجن!

فمنذ متى صار خروج المجرمين من السجون بطولة؟ الجواب عند صاحب السلاح في جماهيرية الضاحية العظمى!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل