تكتسب الزيارة التي يقوم بها البابا بينيدكتوس السادس عشر إلى لبنان أهمية استثنائية وإن كانت لا تعني لبنان وحده أو مسيحييه وحدهم وحسب، باعتبار أنّ هذه الزيارة مخصصة لتوقيع الإرشاد الرسولي الخاص بمسيحيي الشرق الذي وُضع نتيجة التوصيات الصادرة عن السينودس الذي عُقد في تشرين الأول من العام 2010 والذي خُصص لمسيحيي الشرق.
وبهذا المعنى فإنّ اختيار البابا للبنان للقيام بهذه الزيارة وتوقيع هذا الإرشاد الرسولي فيه له دلالة خاصة باعتبار أنّ الفاتيكان يعتبر التجربة اللبنانية نموذجاً يصلح لمعالجة الأزمات القائمة في المجتمعات المختلطة ليس في الشرق وحسب وإنّما في كل العالم.
إذاً الزيارة ستلامس ملفاً مخضرماً يُعنى بقضايا مسيحيي المنطقة الذين يواجهون منذ عقود أزمات متعدّدة تفاوتت أحجامها وأشكالها بين بلد وآخر، إلى حين صدور توصيات سينودس 2010، أي قبل حلول الربيع العربي، ما يعني حسب مصادر كنسية احتمال خلو الإرشاد الرسولي الذي سيُوقَّع في لبنان من أي إشارة إلى هذا الربيع، باعتبار أنّ الإرشاد الرسولي يُعنى بمرحلة تمتد إلى العام 2010 فقط، بالإضافة إلى أنّه يتمتّع عادة بطابع الديمومة ولا يتطرّق إلى مستجدّات طارئة، بقدر ما يرسم توجهات عامة تماماً كما هو واقع الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان الصادر عام 1997. مع العلم أنّ المصادر نفسها لا تستبعد أن يتطرّق قداسة البابا إلى الربيع العربي في عظاته الخاصة إمّا في القدّاس الشعبي الذي سيُقام في وسط بيروت أو في أمكنة أخرى، خصوصاً أنّ الكرسي الرسولي سبق وأعلن مواقف واضحة أزاء هذا الربيع دعت إلى تلبية "تطلّعات الشعوب"، سواء على لسان البابا نفسه أو من خلال وزير خارجيته في الأمم المتحدة.
لكن الثابت والأكيد كما تضيف أوساط واكبت التحضيرات للإرشاد الرسولي منذ انطلاق أعمال السينودس أنّ الرسالة الأساسية التي سيتضمنّها هذا الإرشاد إنّما هي دعوة مسيحيي الشرق إلى البقاء في أرضهم والتجذّر فيها، مقرونة بحثّ شعوب المنطقة على اعتماد الحوار وسيلة وحيدة ونبذ التطرّف.
لذلك تعتقد هذه الأوساط أنّ هذه الزيارة وما ستتضمنّه من رسائل ستعطي المسيحيين في المنطقة المزيد من الثقة بدورهم وبرسالة الانفتاح التي ركز عليها المجمع الفاتيكاني الثاني في منتصف الستينيات، مع التذكير بأهمية القيم التي طالما اضطلع المسيحيون بدور محوري في إطلاقها في المنطقة وأهمها الحرية والنهضة.