كانت السلوى المفضّلة للديكتاتور السوري الراحل حافظ الأسد، وغير المسلّية أبداً لأحد سواه، هي الدعوة الى مؤتمر دولي بقصد "تعريف الارهاب". والى حين انعقاد هذا المؤتمر المنشود، واتفاقه على تعريف واضح وشامل ورسميّ ونهائي لمفهوم الارهاب، كان المذكور يتمرّس في قطاع "المقاولة بالارهاب"، أي تصدير واستيراد، ايواء وتسليم، ارشاد وتضليل، تخصيب واخصاء، العناصر والجماعات الارهابية، القريبة والبعيدة، المحلية والدولية، الارتزاقية او العدمية، التي ترطن بالماركسية اللينينية والأممية البروليتارية، أو التي تأتمر بحاكمية الغيب وفوضى التكفير. كل هذا والطاغية يصطنع مشية ديوجين حاملا مصباحه في الليل، سائلاً: ما الارهاب؟ عرفوني عليه .. عرفوه لي.
طبعاً، لم يكن حافظ الاسد لوحده في هذا القطاع، لكنه تحديداً في هذا الاطار، برع اكثر من صدّام حسين ومعمّر القذافي، الى ان توفي دون ان يتحقق "حلمه" في تعريف الارهاب.
ورث بشّار الأسد الحرفة عن أبيه. قاولَ بالارهاب على طريقته، وفرّق بينه وبين المقاومة بحسب المدّ والجزر في علاقته بالغرب. ذلك انه تولى السلطة عشية منعطف اقليمي. فمن جهة، لحظة ايلول وتعثّر المسار التفاوضي الفلسطيني – الاسرائيلي وانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي ووجهت بإرهاب الدولة الاسرائيلية وميليشيات المستوطنين، وكانت نتيجة ذلك في الوقت نفسه، اعادة وضع رئيس السلطة ياسر عرفات في خانة "المتورّط في دعم ارهابيين". ومن جهة ثانية، كانت هجمات تنظيم "القاعدة" على واشنطن ونيويورك، وانطلاقة "الحرب العالمية على الارهاب" التي اعلنها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن، واتخذت افغانستان وشمال الباكستان ساحة اولى لها، والعراق ساحة ثانية.
هذه الانعطافة وضعت سوريا في منزلة بين المنزلتين. لم ترد من ضمن "محور الشرّ" (كوريا الشمالية، العراق، ايران)، انما اتخذت موقعها على لائحة "الدول المارقة". وهكذا اضاع العالم عقداً كاملاً وهو يراهن بل يحاول فصل النظام السوري (المارق فقط) عن النظام الايراني (الشري ايضاً)، اما النظام السوري فلم يضع الوقت: صدّر مقاتلين الى العراق، سلّم دفعات منهم الى الاميركيين والدول العربية، قام بحرب سرية ضد رموز التحرر اللبناني من وصايته، ضخّم ترسانة "حزب الله"، ساعد على الانقلاب "الانشطاري" في غزّة. كل هذا جعله شريكاً في منظومة "مقاومة وممانعة" يقودها "الحرس الثوري الايراني" وله فيها المرتبة الثانية.
وفي ظل هذه المنظومة، كانت السياسة الامنية للنظام السوري في العراق هي المحك الاساسي: تارة، اتهامات عراقية رسمية للنظام السوري و"حزب الله" بتجنيد وتجهيز وارسال ارهابيين، وطوراً اشادة بالتعاون الامني بين البلدين .. كلما كانت الهيمنة المذهبية المعكوسة في عراق ما بعد البعث تتخذ شكلاً اكثر مطاوعة للنفوذ الايراني.
لكن، بالنتيجة، حلّ بشار الاسد اللغز الذي كان يصطنعه والده بخبث ورياء: تعريف الارهاب. استهدى على النظرية الاميركية في هذا المضمار، وجعلها له: الارهاب في عصرنا هو تنظيم "القاعدة". العابر للحدود. لكن تعريفه لتنظيم القاعدة هو الذي اختلف. في لبنان، القاعدة هي آذار، بمسلميها ومسيحييها. قال البشاريون عام الشيء ونقيضه: "فتح الاسلام" و" آذار" شيء واحد، لكن الحرب على "فتح الاسلام" مرفوضة و"خط احمر"، ومرحب بها فقط من حيث هي استنزاف لمعالم الدولة اللبنانية، ورهان على تقسيم الساحة الاسلامية السنية بين اعتدال وتطرّف.
ثم انطلقت الثورة في سوريا، فأصبح المتظاهرون هم الخلايا النائمة المستفيقة المنتمية الى "القاعدة"، وبعدها ادى هذا القمع الدموي الفظيع المتمادي شهرا بعد شهر الى نشأة حركة تصدٍ مسلحة له، ثم الى نزيف في الجيش السوري اتخذ شكل انشقاقات قاعدية، أي من القواعد، وقام "الجيش السوري الحر"، فاتهم انه اسم حركي لتنظيم القاعدة. هم انفسهم، اساطين الممانعة الذين كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها على الشاشات تنديداً بأقبية اهانة كرامات الناس في غوانتانمو وأبو غريب، يجيزون قتل المواطنين السوريين بالمئات كل يوم، وبأبشع الطرق بحجة ان هؤلاء ارهابيون من تنظيم القاعدة، ويتشدّقون بابشع انماط الاستشراق البدائي والاسلاموفوبيا الرثة واللاسنية المسعورة.
طبعاً، يعكس هذا رهاناً مستمراً عند الطاغية المعتوه: ما زال يحاول استمالة الغرب بحجة ان من يقاتلهم في سوريا هم من الفرقة اياها التي ضربتهم في قلب واشنطن ونيويورك. ربما يقول لنفسه: الرفاق الروس ابادوا جيلا كاملا في الشيشان مستخدمين هكذا حجة، فلأجرّب حظّي في ظل الحماية الروسية في مجلس الامن، وبمعونة المفهوم الغربي للارهاب، اذ اتبناه كما هو ثم ازج باكثرية شعبي فيه.
من هنا، مفهوم الارهاب اصبح فعلاً مفهوماً خطراً: طاغية جيّره لحسابه لقتل أجمل أطفال الكوكب.
من هنا أيضاً، المفهوم نفسه في خطر. كيف يمكن استخدامه على نحو يحوز على صدقية ان لم يتدخّل العالم لانهاء الكارثة؟
ما لم يتدخّل العالم، لن يكون بامكان بشار الاسد الانتصار، وسيحقق السوريون مرادهم في اسقاط الطاغية. لكن العالم نفسه، هذا العالم المزهو بفتوحاته الأخلاقية والعلمية، سيشبه وجهه حينها شبح حافظ الأسد وهو هائم على وجهه، يسأل: ما الارهاب؟