بدا الاول من ايلول اللبناني بمثابة اشارة انطلاق رسمية وكنسية مثبتة للعد العكسي لزيارة البابا بينيديكتوس السادس عشر للبنان بما يسقط نهائيا اي احتمال لالغائها او ارجائها على ما كان ممكنا ومحتملا قبل هذا الموعد.
ومن هذا المنطق تحديدا، يمكن رسم الاطر الواقعية لاهمية هذه الزيارة وابعادها ودلالاتها، قبل اقل من اسبوعين من وصول الزائر الاستثنائي الى بيروت. اذ انه بصرف النظر عن حمى المغالاة البديهية التي ستواكب الزيارة، يشكل اصرار البابا على حصولها في موعدها الاساس الاولي شكلا ومضمونا في نفح لبنان جرعة ثقة كبيرة يصعب ان تقدمها اليه اي جهة خارجية اخرى في الظروف التي يجتازها.
ولم يكن خافيا ان كفة المخاوف من الغاء الزيارة ظلت راجحة حتى اللحظة، بما يعني ان اولى الرسائل الابوية من الزيارة ستأتي مع تحويل الايام الثلاثة المنتظرة الى ما يشبه اعلان لبنان محمية رمزية ومعنوية لما يراد للارشاد الرسولي الخاص بالشرق الاوسط ان يقوله فعلا حيال تعايش الاديان والثقافات.
ولعله من باب الموضوعية القول ان المسلمين صاروا في حاجة الى "ارشاد" ما اسوة بالمسيحيين واكثر. فحين جاء البابا التاريخي الراحل يوحنا بولس الثاني الى لبنان قبل 15 عاما، كان الجرح المسيحي ابلغ فداحة من سائر الازمات الداخلية اللبنانية. وسيكون من باب المفارقات الكبرى والمتغيرات الجذرية ان يستقبل البابا بينيديكتوس ال16 بحفاوة اسلامية ايضا برزت طلائعها في الاونة الاخيرة، ربما لان المسلمين بدورهم ضاقوا ذرعا بالآفة المذهبية.
مع حلول البابا في لبنان، قد يكون من "الرومانسية" توقع حمى تغييرية في بلد سبق ان استقبل سلفه بمليون محتشد ولكن ارشاده الرسولي ظل معظمه حبرا على ورق. كما ان الشرق الاوسط قبل 15 عاما كان غير ذلك الآتي من اجله البابا الحالي.
ومع ذلك لا تتيح الواقعية المفرطة بدورها تجاهل ما يمكن ان يشعله الحدث البابوي من كيمياء متفاعل في بلد تصحرت فيه قيمه التاريخية الكبرى تحت وطأة الهبوط الهائل الذي ضربه في كل شيء. ولعل الرهان معقود هنا تماما على "الوصفة السحرية" التي قد يحملها البابا في اعادة تذكير اللبنانيين بانهم "الشعب" وليس الشعوب والقطعان والقبائل وبأنهم من وصفهم يوحنا بولس الثاني بـ"الرسالة" الاكبر من بلد. ترى من ذا الذي لا يزال يصدق ان لبنان الحالي، هو بهذه الهالة والمهابة؟
مجرد كيمياء ثقة، قد تكون كافية بداية ولنترك الاحلام الاكبر والاوسع الى حينها، في بلد الـ"كل يوم بيومه"، مع زيارة البابا او من دونها.