في حين نقلت وكالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للأنباء «ارنا» عن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قوله للمرشد الأعلى آية الله السيد علي خامنئي «إن لبنان لا يزال في حاجة إلى المقاومة»، أفادت مصادر الوفد الذي رافق سليمان إلى طهران أنّه أكّد أنّ «لبنان يبقى في حاجة إلى المقاومة ما دام هناك احتلال، ولكن بشرط أن تكون مضبوطة الإيقاع وأن تتناغم مع الدولة».
وشرح سليمان لخامنئي أنّ "الحوار الجاري يهدف إلى التوصل إلى استراتيجية دفاعية تجيب عن كل الأسئلة المطروحة في شأن عمل المقاومة"، كما أوضح له أنّ "لبنان في حاجة إلى المقاومة حتى زوال الخطر الإسرائيلي عن لبنان".
ومن المفيد التذكير بكلام لسليمان نفسه أو ما كان نُقِل عنه أنّ نقطة ارتكاز أيّ استراتيجية دفاعية هي الجيش اللبناني وحده، وأنّه عندما يعجز هذا الجيش تتدخّل المقاومة، الأمر الذي يجعلها في الموقع الخلفي والثانوي، ما استوجب ردّاً من قبل السيد حسن نصرالله أكّد فيه على التلازم بين الجيش والمقاومة، لا بل اعتبر أنّ وظيفة الأوّل تحوّلت إلى شرطة داخلية، معدّداً الأسباب التي تحول دون تصدّر الجيش المواجهة من انكشاف مواقعه إلى ضعف تسلّحه.
ولم يوفر رئيس الجمهورية أيضاً ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"، معتبراً أنّ هذه الثلاثية تفتقد إلى عنصر ارتكاز هو الدولة اللبنانية. ولكنّ المهم لا يكمن في تثبيت تراجع سليمان أو عدمه، إنّما في تناقضه الجوهري مع مقاربة قوى 14 آذار لما يسمّى بالمقاومة.
وفي هذا السياق، قالت مصادر قياديّة في قوى 14أذار أن الرئيس اقترب بهذا المعنى من المعارضة في الموضوع السوري وابتعد عنها في موضوع "حزب الله" أو حافظ على مسافته المعتادة، فيما كان الاعتقاد أنّه سيتقاطع معها أيضاً في موضوع السلاح ليس من منطلق تحالفي-سياسي، إنّما من موقعه الوطني كرئيس للبلاد ومؤتمن على الدستور والمحافظة على استقلال لبنان.
فالقول إنّ "لبنان يبقى في حاجة إلى المقاومة ما دام هناك احتلال" يعني أنّ رئيس الجمهورية يتبنّى وجهة نظر "حزب الله" على ثلاثة مستويات: إنّ مزارع شبعا لبنانية لا سورية وتخضع لمنطوق القرار 425 وليس للقرارين 242 و338، وأنّ التحرير هو من مهمة المقاومة الفئوية والمذهبية وليس الدولة اللبنانية، وأنّ المقاومة حاجة، أي تظليلها والإقرار بشرعيتها.
وأمّا الكلام عن ضرورة "أن تكون مضبوطة الإيقاع وأن تتناغم مع الدولة"، فيخشى أن يترجم في غير مقصده، خصوصا أنّ المقاومة والدولة مكونان نقيضان ولا تتّسع الساحة لكليهما، فإمّا أن تكون هناك مقاومة أو دولة، وخلاف ذلك يعني تحديداً الواقع المأسوي في لبنان حيث الدولة مجرّد هيكل في ظل هيمنة سلاح الحزب وامتلاكه القرار الاستراتيجي لهذه الدولة.
واعتبرت المصادر نفسها أن تحديد وظيفة الاستراتيجية الدفاعية بالارتكاز على المقاومة بعد "الإجابة عن الأسئلة المطروحة في شأن عملها" يعني وكأنّ المقاومة باتت الثابت الوحيد في المشهد اللبناني وكلّ ما عداها هو المتحرّك، وأنّ المطلوب هو الاتّفاق على عملها وليس إلغاءها.
ولكنّ الأخطر في نظر هذه المصادر يبقى في ربط حاجة لبنان إلى المقاومة بزوال الخطر الإسرائيلي، فهذا الكلام يتطابق مع أدبيات "حزب الله"، وخطورته تكمن في أنّ انتفاء هذه الحاجة يفترض زوال إسرائيل، وفي حال العكس يعني استمرار المقاومة إلى أبد الآبدين.
لم يكن رئيس الجمهورية مضطراً إلى إطلاق هذه المواقف التي قد يتذرع بها "حزب الله" تبريرا لسلاحه. وإذا كان المطلوب ترييحه، فهذا الترييح لا يكون من خلال التسليم بأجندة الحزب، إنّما عبر المزاوجة بين الموقف المبدئي بمرجعية الدولة باحتكار السلاح، وبين دعوة هذا الحزب إلى الحوار على أساس هذه المبادئ.
ورأت المصادر أنّ سليمان يتقاطع مع سياسة النائب وليد جنبلاط القائمة على قاعدة التسخين مع دمشق والتبريد مع طهران والضاحية، ولكن مع فارق أنّ الزعيم الدرزي حذّر من فوز 8 آذار في الانتخابات، ما يعني إعلان تحالفه الانتخابي مع 14 آذار، وأن رئيس الجمهورية لا يستطيع مجاراة الرئيس الاشتراكي بتقلّباته، إذ قد ينتقل الأخير من التبريد إلى التسخين بين ليلة وضحاها.
ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الأسباب التي دفعت رئيس الجمهورية الذي أطلق في الآونة الأخيرة مواقف مهمة إلى اتّخاذ هذه المواقف التي تم وضعها بصيغة المصادر؟ وهل هي نتيجة أجواء مغلوطة تمّ وضعه بها في طهران أم مردّها إلى مخاوف داخلية؟
