إنّ ما بعد توقيف ميشال سماحة لن يكون مقتصراً على فهم حقيقة العملية الأمنية الكبيرة التي كان النظام السوري يزمع تنفيذها، إنما سيفتح الباب أمام العودة إلى الوراء لمحاولة استعمال الأدلة التي ضبطت، بغية كشف ملابسات، والتوسّع في التحقيق في الجرائم التي ارتكبت منذ العام 2005.
ليس صدفة أن يطالب حلفاء سماحة في الساعات الأولى للتوقيف، ولاحقاً بعد تحويل الملف إلى المحكمة العسكرية، بأن تنقل الأدلة، وأهمّها العبوات، من فرع المعلومات، وليس صدفة أيضاً الضغط على فرع المعلومات لإنجاز التحقيق في 48 ساعة لا أكثر.
الضغوط شارك فيها بدافع الخوف، قضاة، وبدافع التهيّب من التوسع في التحقيق، سياسيون حلفاء للنظام ورسميّون لم يستطيعوا أن يواجهوا ما تعرضوا له من تهديد، إذا لم يُنزع الملف فوراً من فرع المعلومات، وإذا لم يتوقف التحقيق عند حدود العملية ذاتها.
مع استلام المحكمة العسكرية الملف، كان لرفض فرع المعلومات تسليم الأدلة، وأهمها العبوات، معنى واضحاً، فالفرع باشر فعلاً درس هذه العبوات، الصغيرة منها والكبيرة، وتلك التي تلصق لصقاً بأسفل السيارات. هي العبوات المغناطيسية التي استعمل الجناة نموذجاً منها لاغتيال جورج حاوي وسمير قصير والشهيدة الحية مي شدياق.
هي العبوات السريعة الاستعمال التي لا تأخذ من وقت المخططين أكثر من تكليف "رشيق اليدين" المرور بجانب سيارة الضحية ودسّها تحت المقعد، ليتم بعدها التنفيذ بعد التأكد من ركوب الهدف للسيارة.
النموذج ذاته من العبوات، الذي سلّمه سماحة إلى ميلاد كفوري لتنفيذ عمليات أمنية، يجري التحقيق في نوعه ومصدره. فهل سيؤدي التحقيق إلى اكتشاف بلد المنشأ؟ وهل صنعت هذه العبوات في سوريا أم أن النظام حصل عليها من البلاد الصديقة كالصين أو روسيا أو إيران؟
هكذا يتّضح أن اكتشاف عملية سماحة لم يكن له أهمية سياسية فقط من خلال فضح مخطط النظام السوري في إحداث فتنة داخلية، بل أيضاً من خلال ما تُرك من أدلة للتحليل والمقارنة. إنّ دراسة العبوات، بالإضافة الى نوعها ومنشئها، ستقود، إذا توصّل التحقيق إلى نتائج واضحة، إلى تحويل النتائج إلى المحكمة الدولية، لتعزيز ملف الاتهام، خصوصاً في ملفات اغتيال قصير وحاوي، كذلك في ملف شدياق.
وكما كان فرع المعلومات دقيقاً في كلّ ما قام به من تحقيقات، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى ملف "فتح الإسلام"، واكتشاف الشبكات الإسرائيلية، وخطف المعارضين السوريين على يد السفارة السورية، وخطف الأستونيّين، فهو سيكون كذلك في ملف سماحة. على رغم أنّ الطريق أقفلت أمامه للتوسّع في التحقيق. ستتم دراسة الأدلة بدقة، وسيتم تقديم النتائج إلى المحكمة الدولية إذا تبيّن أنها ستضيء على ما نفّذ من عمليات اغتيال سابقاً. كما سيتم التوسع في مسألة ما إذا كان أحد قد رافق سماحة بسيارته، ولن يقدّم ملف كهذا يصلح للاتهام إلّا إذا أثبت بقوة الأدلة نفسها التي أثبت بها ملف سماحة، علماً أن الأخير قال كلاماً في التحقيق عن بعض المعنيين يكفي للتقدم إلى الأمام بهذا الملف.
سيبقى ملف ميشال سماحة مفتوحاً قبل بدء المحاكمة وخلالها وبعدها، ذلك أن الجزء اللبناني من هذه العملية لا يمكن طمسه. أما في ما يتعلق بدور الأمنيين السوريين، والذي لا يمكن طمسه ايضاً، فهو سيكون على موعد مع تطورات الأزمة السورية، نظراً إلى تعذر الاستماع للمسؤولين السوريين المتورطين. أما إذا سقط النظام، فإن واقعاً جديداً سينشأ، وسيأخذ في الاعتبار إمكان التوسع بالتحقيق والمحاكمة، وكلّ ذلك يبقى رهناً بالواقع الذي سينشأ في مرحلة ما بعد الأسد.