
تناول رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ازمتنا الداخلية من نقاطها الحادة واخذ في طريقه كل ما كان يمكن ان يخفف من وقعها السياسي والامني. والابرز في كلمة «الحكيم» انه لم يكن خائفا من المستقبل، بقدر ما ترك الخوض والريبة عند سواه ممن دأبوا على تدوير الزوايا كي لا يقال عنهم انهم لم يعرفوا الى الان ماهية الازمة في الداخل ومدى ارتباطها بالخارج (…)
وعندما تحدث عن سقوط الاقنعة كان يشير بذلك الى الشريك اللبناني الاخر الذي لم يدرك الى الان انه في وضع الميؤوس منه مع كل ما تعنيه كلمة اليأس، لاسيما في مجال ربط وضعنا الداخلي بالحال الخارجية الاقليمية والدولية. وهذا بدوره يشكل الارتقاء بالنظرة الى حقيقة من يحرك مشاكلنا ويزيدها تفاقما بدل العمل على معالجة اورامها الخبيثة!
في كلام جعجع الكثير من التساؤل عما اذا كان شريكنا في الوطن في وارد استيعاب المخاطر المفتعلة ان لجهة قوله عن الحال المسيحية في المنطقة، حيث يخاف بعضهم عليها بذريعة الاتكال على بعض الانظمة، او لجهة الانطلاق من واقع اخلاقي لا غبار عليه يفرض على الجميع التفاهم الوطني بمستوى التفاهم الوطني الشمولي.
في كلام جعجع محطة وموقف عن الانتخابات الواجب خوضها بنيات واضحة لا غبار عليها من ماضي التكاذب الذي اشار اليه بالاسم كي يفهم اللبناني من اين يجب الانطلاق في الخيار وليس من اين يكون اللعب على الالفاظ، وفي الكلام اياه تركيز على ما فعله رئيس تكتل التغيير والاصلاح ميشال عون يوم اختار التكويع على مسيحيته من خلال ما تأمن له من زيارة الى «براد» برعاية سورية لا طائل منها، خصوصا انها كانت تتم على حساب الموقع المسيحي الاساسي في لبنان، وهذه القصة لا بد وان تروى طالما ان غايتها كانت انذاك ضرب بعض المسيحيين بذريعة عدم توافر مناخ التفاهم مع النظام السوري!
وما يقال عن مهرجان معراب، لا بد وان يكون حديث عمن غاب عنه، اسوة بالحديث عمن غاب عن مهرجان ذكرى بشير الجميل في الاشرفية، حيث كان كلام عن امتعاض بعض من غاب مع بعض من حضر وفي الحالين قيل كلام كثير عن عدم تفاهم بين الخط الواحد الكتائبي – القواتي.
كذلك، كان كلام عمن غاب من جانب القيادات الروحية حيث يفترض ان تكون في معراب، نظرا لمعنى المناسبة مسيحيا ولمعناها الوطني في مثل هذا الظرف الدقيق من عمر الازمة اللبنانية ككل (…)
المهم في ما حفل به مهرجان معراب نوعية الحضور المنتقاة بدقة متناهية حيث لا مجال لتوجيه دعوة مفتوحة جريا على العادة، حيث من الصعب تقبل اي حادث يذكر قياسا على ظروفنا الحالية التي لا تسمح بتصرف الحد الادنى من قبل من تطلق عليهم صفة خوارج لذا بدا المهرجان في اعلى درجات المسؤولية السياسية والوطنية (…)
اما الاكثر اهمية من المشهد الديني فكان التنظيم الراقي الذي لازم ساعتين كاملتين من المهرجان وهو جاء بمستوى التنظيم الاكاديمي اكثر من ان يكون تنظيما سياسيا تقليديا دأب عليه جميع الافرقاء، خصوصا الذين يتطلعون دائما الى حجم الحضور اكثر من نوعيته!
ومن ضمن مميزات مهرجان معراب ان كلمة جعجع لم تكن مكتوبة ولم تتخللها تأتأة من جانب احد الذين كان انتقاد لدورهم ولمهامهم اللاوطنية كي لا نقول دورهم الشخصي الذي يشكل في معظم مفاصله دلالات غير مقنعة الا اذا كان المقصود التركيز على النيات وهي حال مرفوضة في السياسة كما في الشؤون والقضايا الوطنية.
واذا كان من مجال لكلام على قناعة المشاركين بما سمعوه، فان الغاية قد شكلت معظم فقرات كلمة جعجع، حيث بوسع الجميع القول انه اسمعهم ما لم يعتادوا سماعه، بل اسمعهم ما لم يكونوا ينتظرون قوله بصراحة متناهية!
ان مناسبة مهرجان ذكرى شهداء القوات اللبنانية كان مدعاة للقول انه مهرجان لذكرى جميع شهداء لبنان في مختلف مناطقهم ومناسباتهم الحزبية والسياسية، وهذا ما كان عليه تركيز من جانب جعجع حيث لم يغب عن المناسبة الشعور الوطني بان لا مجال للقول ان من ضحى بحياته قد ذهب سدى، بقدر ما يجب القول ان شهداءنا لا يزالون ينتظرون النية الوطنية من عليائهم وليس نية الحليف والغريب اللذين لا تنفعهما الذكرى ولا تجعلهما يشعران بعظمتها مهما كان تركيز على رفع صورهم والشعارات المنادية بما لم يكونوا ينادون به؟!