الإثنين الخامس عشر من زمن العنصرة
قراءَةٌ من وثائقِ المجمع الفاتيكاني الثَّاني المسكونيّ إِعتناقُ المشورات الإِنجيلية في الكنيسة (ستور عقائديّ في الكنيسة، 43)
إِنَّ المشوراتِ الإِنجيليَّة في العفَّةِالموقوفةِ على اللهِ وفي الفقرِ والطَّاعة، المستندَةِ إِلى كلامِ الرَّبِ ومثلِه، والمندوبَ إِليها من قبلِ الرُّسلِ والآباءِ والمعلِّمينَ ودعاةِ الكنيسة، لهيَ منَّةٌ إِلٰهَّيةٌ قبلتَها الكنيسة من ربِّها، وتداومُ على حفظها بنعمتِهِ.وقدْ عُنيتْ سلطةُ الكنيسةِ عينُها، تحتَ تدبير الرُّوح القدس، بتَفسيرِها، وتنظيمِ العملِ بها، ووضعِ الصِّيغِ الثَّابتةِ للسَّيرِ عليها، وعلى مثالِ شجرةٍ غرسَها اللهُ وتفرَّعت تفرُّعًا عجبيًا متنوِّعًا في كرمِ الرَّبّ، كان أَن نبتَتْ ونمتْ صيغٌ شتّى للحياةِ التَّوحديَّةِ أَو المشتركة، وأَسرٌ شتَّى تُقدِّمُ إِمكاناتٍ أَوسع، سواءٌ كانَ ذٰلكَ لفائدةِ أَغصانِها أَمْ لخيرِ جسدِ المسيحِ كلِّه. والحقُّ أَنَّ هٰذهِ الأَسرَ توفِّرُ لأَعضائِها سندًا أَمكنَ للثَّباتِ في منهجِ السِّيرة، ومعرفةً خبيرةً في سبيلِ الكمال، وشركةً أَخويَّةً في التَّجنُّدِ للمسيح، وحرِّيَّةً تُقوِّيها الطَّاعة، بحيثُ يتسنَّى لهم أَن يعتنِقوا الطَّريقةَ الرُّهبانيَّةَ بأَمان، ويحفظوها بأَمانة، ويسيروا بفرحٍ على طريقِ المحبَّة.
وليستْ هٰذهِ الحالة، بٱلنَّظرِ إِلى تكوين الكنيسةِ الإِلٰهيِّ والرِّئاسيّ، وضعًا متوسِّطًا بينَ الحالةِ الإِكليريكيَّةِ والحالةِ العلمانيَّة؛ لٰكنَّ اللهَ يدعو من هاتينِ الحالتينِ بعضَ المؤْمنينَ إِلى التَّمتُّعِ بهبةٍ خاصَّةٍ في حياةِ الكنيسةِ وإِلى إِعانتِها، كلٌّ على نحوه، في رسالتِها الخلاصيَّة.
الرّسالة: يع 1: 1-8
1 مِن يعقوب، عَبْدِ الله والرّبِّ يسوع المسيح، إلى الأسْباط الاثني عشرَ الّذين في الشّتات: سَلام!
2 يا إخوتي، حين تَقَعونَ في مِحَنٍ متنوِّعة، إعتبروا ذٰلك من دواعي الفرح الكامل.
3 وٱعلَموا أنّ ٱمتحان إيمانِكُم يُتنْشِئُ الثّبات.
4 وليكُنِ الثّباتُ حافزًا لكُم على العمل الكامل، حتّى تكونوا كاملين، مُتَمَّمِين، غيرَ ناقصينَ في شيء.
5 وإِنْ كانَ أحدٌ منكم تَنْقُصُهُ الحكمة، فَلْيَطْلُبْها من الله الّذي يُعطي الجميعَ بسخاءٍ وبغيرِ مِنَّة، فتُعطى لَهُ!
6 ولْيَطْلُبْها بإيمانٍ غيرَ مُرْتابٍ البتّة، لأنّ المُرتابَ يُشبهُ مَوْجَ البحر حينَ تَضرِبُهُ الرّيحُ وتُهُيِّجُهُ.
7 فلا يحْسَبَنَّ ذٰلك الإنسانُ أنَّه سيَأْخُذُ مِنَ الرّبّ شيئًا
8 إنّهُ إنسانً ذُو نَفْسَيْن مُتَقلِّبٌ في جميعِ طُرُقِهِ.
شرح آيات الرّسالة:
1 رسل 12/17؛ 15/23؛ يو 7/35؛ رسل 26/7؛ 1 بط 1/1.
عنوان وتحيّة مختصران، كما في رسالة "مجمع" أورشليم (رسل 15/23)، وكما في الأدب الرّسائليّ الهلّينيّ المعاصر (رسل 23/26).
يعقوب: في التّقليد المسيحيّ الأقدم والأعمّ، هو يعقوب أخو الرّبّ (راجع شرح متّى 12/46؛ 13/55)، ٱبن مريم زوج كلوباس (مر 15/40؛ يو 19/25)، الّذي صار رئيسًا على الكنيسة الأمّ في أورشليم (رسل 12/17؛ 15/13-21؛ 21/18-25؛ غل 1/19؛ 2/9، 12). وٱستُشهِد في أورشليم سنة 62 تقريبًا. يرى شرّاح أنّه هو نفسه الرّسول يعقوب بن حلفى (متّى 10/3)، معتبرين "كلوباس" و"حلفى" صورتَين يونانيّتَين لاسم أراميّ واحد. لذٰلك يدعوه بولس رسولًا (غل 1/19)، ويذكر ظهور يسوع له بعد قيامته (1 قور 15/7). راجع المقدمة صفحة 1091.
عبد الله: ورد هٰذا التّعبير، في العهد الجديد، في صورة المفرد، ثلاث مرّات: عن طيطس (1/1)، ويعقوب (1/1)، وموسى (رؤ 15/3)؛ وفي صورة الجمع، ثلاث مرّات: عن بولس ورفاقه (رسل 16/17)، والمسيحيّين عمومًا (1 بط 2/16)، والمسيحيّين الشّهداء خصوصًا (رؤ 7/3).
عبد الرّبّ يسوع المسيح: عبارة مألوفة لدى كتّاب العهد الجديد (روم 1/1؛ فل 1/1؛ 2 بط 1/1؛ يهو 1)، يستعملها يعقوب، دون أن يذكر أنّه رسول (1 قور 15/7). والتّعبير "الرّبّ يسوع المسيح" لم يرد في الرّسالة إلاّ مرّتين (1/1؛ 2/1)، وهو يدلّ على أنّ الرّسالة أصلها مسيحيّ لا يهوديّ هلّينيّ كما زعم شرّاح. وورد لقب "الرّبّ" ليسوع، أربع مرّات (5/7-8، 14-15)، ولله الآب، كما في العهد القديم، مرّات (1/7؛ 3/9؛ 4/10، 15؛ 5/4، 10، 11).
إلى الأسباط في الشّتات: حرفيًّا "إلى الأسباط الّذين في الشّتات". و"الشّتات" تعني قديمًا المشتَّتِين من اليهود في خارج فلسطين (مز 147/2؛ يه 5/19؛ يو 7/35). أمّا هنا فتعني المسيحيّين من أصل يهوديّ، المشتَّتِين في العالم الوثنيّ الرّومانيّ والإغريقيّ (رسل 2/5-11).
سلام: حرفيًّا فعل "فرح". يستعمل الكاتب هنا، في التّحيّة، الصّورة اليونانيّة، لا السّاميّة "سلام". ويتابع مركّزًا على الفرح في الآية الثّانية.
2-4 يرى شرّاح أنّ يعقوب يعكس هنا تقليدًا مشترَكًا مع روم 5/3-5 و1 بط 1/6-7، من التّعليم المسيحيّ العماديّ.
2 متّى 5/11؛ روم 5/3-5؛ حك 3/5؛ 1 بط 1/6؛ 4/12-13.
محن: ورد الاسم في الرّسالة مرّتين: في معنى صدمات الحياة ومعاكساتها الخارجيّة (1/2، 12)، والفعل أربع مرّات، في معنى ٱنجذابات الشّهوة وتمليقاتها الدّاخليّة (1/13-14). وللمؤمن الصّابر عليها والظّافر عاقبة صالحة (1/4؛ 1/21؛ 5/11). راجع شرح متّى 6/13.
يا إخوتي: يردّدها يعقوب في رسالته مرارًا، علامة على علاقة مودّة حميمة بينه وبين المؤمنين (1/2؛ 2/1، 14؛ 3/1، 10، 12؛ 5/12، 19)؛ ويكمّلها أحيانًا "يا إخوتي الأحبّاء" (1/16، 19؛ 2/5)؛ ويختصرها أحيانًا أخرى "أيّها الإخوة" (4/11؛ 5/7، 9، 10).
الفرح الكامل: فرح كلّيّ كامل (فل 2/29؛ روم 15/13). إنّ تجارب الحياة، كٱلضَّعة (1/9)، والفقر (2/15)، والازدراء (2/3)، والنّميمة (3/2)، والحسد (3/14)، والسّرقة (5/4)، والمرض (5/13)، كلّها تُسبّب حزنًا وٱنتقامًا. والتّقليد التّوراتيّ والرّبّينيّ والقمرانيّ يعتبرها قصاصًا للإنسان، أو ٱمتحانًا من الله له، ويتكلّم عن الفرح بعد التّجربة لا فيها. أمّا الفرح في التّجارب فتقليد مسيحيّ عريق، في الإنجيل (متّى 5/11-12)، وفي بولس (روم 5/3-4)، وبطرس (1 بط 1/6-7؛ 4/13)، وفي الرّسالة إلى العبرانيّين (10/34؛ 12/2)، ويعقوب، لأنّ إكليل الحياة، بقيامة الرّبّ يسوع، بات مؤكّدًا (يع 1/12).
3 1 بط 1/7؛ عب 12/11.
ٱعلموا… ٱمتحان إيمانكم: يذكّر يعقوب المؤمنين بحقيقة ثابتة يعرفونها من تعليمهم المسيحيّ الأساسيّ: التّجربة للمؤمن الصّابر ٱمتحان لإيمانه، ومِحَكّ له، يُظهره ناجحًا ومستحِقًّا إكليل الحياة (1/12؛ 5/11؛ لو 8/13-15). تَرابُط الأفكار وتَسلسُلها يشبه روم 5/3-4 و2 بط 1/5-7.
4 متّى 5/48؛ يع 3/2.
الثّبات حافزًا: يرى يعقوب، ويرى التّقليد اليهوديّ المعاصر، أنّ الإيمان الصحيح يكتمل جوهريًّا بٱلعمل (2/14-26).
الكامل: ورد هٰذا النّعت في الرّسالة، أربع مرّات (1/4، 17، 25؛ 3/2)، والفعل مرّة واحدة (2/22)، وَصْفًا لعمل الإيمان (1/4؛ 2/22)، وعطيّة الله (1/17)، وشريعة الحرّيّة (1/25)، والإنسان الّذي لا يعثر بكلامه (3/2). كلّها نَواحٍ جوهريّة من كمال الإنسان السّالك في طريق الرّبّ ووصاياه. ورد هٰذا المعنى في قانون جماعة قمران، وتفرّد متّى بأن جعل المؤمن يلتزم بٱلكمال، فيُتِمّ شريعةً كمَّلها يسوع (5/48؛ 19/21).
5-8 يشدّد يعقوب على الصّلاة طلبًا للحكمة من الله. فيخصّص في رسالته مقطعًا للحكمة (3/13-18)، وآخَر للصّلاة (5/13-18). ويذكّر بصلاة سليمان الملك (حك 8/21؛ 1 صم 3/6-9).
5 مثل 2/3-6؛ حك 8/21-9/18؛ 1 مل 3/7-14؛ متّى 7/7؛ 21/21.
بسخاء: حرفيًّا "ببساطة"، فريد العهد الجديد. أمّا النّعت "بسيط" فلم يرد إلاّ في (متّى 6/22؛ لو 11/34)، والاسم في (روم 12/8؛ 2 قور 8/2؛ 9/11، 13؛ 11/3). الله المعطي الجميع بسخاء وبغير منّة، هو نقيض الإنسان الجاهل الّذي "يُعطي يسيرًا ويمنّن كثيرًا" (سي 20/15).
6 أش 57/20؛ مر 11/24؛ أف 4/14.
ليطلبها بإيمان: الآية 6 مربوطة بٱلآية 5 "فليسأل الله". تستمدّ الصّلاة فاعليَّتها من الإيمان بٱلله والثّقة التّامّة به أنّه يستجيب الصّلاة (مر 11/22-24).
يشبه: اللّفظة اليونانيّة، هنا وفي 1/23، فريدة العهدين.
تضربه الرّيح: لفظة واحدة في الأصل اليونانيّ، نعت للموج، فريدة العهدين.
تهيّجه: لفظة واحدة في الأصل اليونانيّ، نعت للموج، فريدة العهد الجديد.
7 لا يحسَبنّ: لفظة نادرة في العهد الجديد (فل 1/17؛ يو 21/25).
الرّبّ: يعني الله الآب (1/5)، لا الرّبّ يسوع (1/1).
9 يع 3/8، 16؛ 4/8.
ذو نفسين: اللّفظة اليونانيّة، هنا وفي 4/8، فريدة العهدين. يقابلها في العبريّة: ذو قلبين، ذو لسانين، ذو وجهين، ذو طريقين… هو إنسان ذو رغائب متناقضة، يساوم على حبّ الله وحبّ العالم، وهو مرتاب متقسّم ومتقلّب في إيمانه وصلاته وسيرته، نقيض الإنسان الحكيم الصّابر المؤمن (1/3-8؛ 5/12). تبقى الآية 8 بلا فعل، لذٰلك يرى شرّاح ربط "رجل ذو نفسين"، لغويًّا، بٱلفعل "سيأخذ" فاعلًا له: "فلا يحسبنّ ذٰلك الإنسان أَنْ سيأخذُ من الرّبّ شيئًا رجلٌ ذو نفسين متقلّب في جميع طرقه" (7-8).
متقلّب: اللّفظة اليونانيّة، هنا وفي 3/8، فريدة العهد الجديد.
الإنجيل
لو 17: 5-10
5 وقال الرُّسُل للرّبّ: "زِدْنا إيمانًا!".
6 فقال الرّبّ: "لو كان فيكم من الإيمان مِقدار حبّة خَرْدَل، لٰكنتم تقولون لهٰذه التّوتة: إنقَلِعي، وٱنغرِسي في البحر، فتُطيعُكم!
7 ومَن منكم لهُ عبدٌ يفلحُ الأرض أو يرعى القطيع، إذا عادَ من الحقل، يقول لهُ: أسرِعْ وٱجلِسْ للطّعام؟
8 ألا يقول له بالأحرى: أعِدَّ لي شيئًا لأتعشّى، وشُدَّ وْسطَكَ وٱخدمني حتّى آكُل وأشرب،
9 وبعد ذٰلكَ تأكُل أنتَ وتشرَبْ. هل عليهِ أن يشكرَ العبدَ لأنّهُ فعلَ ما أُمِرَ به؟
10 وهٰكذا أنتم إذا فعلتُم كلَّ ما أُمرتم به فقولوا: إنّنا عبيدٌ لا نفعَ منّا، فقد فعَلْنا ما كان يجب علينا أن نفعَل".
شرح آيات الإنجيل:
5-6 متّى 17/20؛ 21/21؛ مر 9/24.
6 مر 11/23.
التّوتة: ترجمة أخرى "الجمّيزة": اللّفظة اليونانية، في السّبعينية، تعني الجمّيزة، وهي شجرة من فصيلة التّوت، وثمرها يشبه ثمر التّين. أمّا في اللّغة اليونانية العاديّة فيمكن أن تكون "التّوتة"، كما فهمها بعض المترجمين. ولٰكن بعض ترجمات فضّلت "جمّيزة" لكبر حجمها، وإظهار التّفاوت بينها وبين حبة الخردل في كلام يسوع.
10 لو 6/32-34.
11 أي 22/3؛ 35/7.
لا نفع منّا: يصحّ هٰذا القول في العبد الكسول لدى متّى (25/30)، لا في العبد المجتهد لدى لوقا هنا. ولذا فٱلمقصود هنا أنّ على تلميذ يسوع، قبل أن يجلس إلى مائدته في الملكوت يأكل ويشرب (لو 22/30)، أن يقوم بالخدمة، بكلّ تواضع وتجرّد ومجّانيّة، معتبرًا سيّده في غنى عن خدمته، غير مطالب بأيّ مكافأة من الله أو النّاس. والله سيّده سيكافئه أضعافًا، لا على سبيل الواجب، بل من منطلق الحبّ والجود.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كلّيّة اللاّهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاّح بكرم الرّبّ.
