الثّلاثاء الخامس عشر من زمن العنصرة
يقفُ المؤْمنُ ذاتَهُ وقفًا تامًّا على الله، الَّذي لا يُستَحَبُّ عليه، عن طريقِ النُّذورِ أَو غيرِها منَ الوثائقِ الَّتي تُوازي النُّذور، الَّتي بقوَّتِها يلتزمُ بحفظِ المشوراتِ الإِنجليَّةِ المذكورة، بحيثُ يُصبحُ معدًّا، بصورةٍ جديدةٍ خاصَّة، لخدمةِ اللهِ وإِكرامهِ. إِنَّه قد ماتَ عنِ الخطيئة، وتخصَّصَ بٱللهِ في العماد؛ وكيما يتيسَّرُ لهُ أَن يجني ثمرًا أَوفرَ من نعمةِ العماد، عن طريقِ ٱعتناقِ المشوراتِ الإِنجيليَّةِ في الكنيسة، فإِنَّه يصمِّمُ على التَّحرُّرِ منَ الموانعِ الّتي من شأْنِها أَن تصرفَهُ عن حرارةِ المحبَّةِ وكمالِ التَّقوى، ويحتبسُ من الصَّميمِ على خدمةِ الله. وإِنَّ هٰذا الاحتباسَ لَيَقْرُبُ من التَّمامِ على قدرِ ما تتقوَّى وتتثبَّتُ الوثاقاتِ الَّتي تُمثِّلُ فيهِ المسيحَ متَّحدًا ٱتَّحادًا لا ينحلُّ بٱلكنيسةِ عروسهِ. وبما أَنَّ المشوراتِ الإِنجيليَّةَ تصلُ من يتبعونَها صلةً خاصَّةً بٱلكنيسةِ وسرِّها عن طريقِ المحبَّةِ الَّتي تقودُ إِليها، فإِنَّ حياةَ هٰؤلاءِ الرُّحيَّةَ يجبُ أَن تُحبَسَ أَيضًا على خيرِ الكنيسةِ كلِّها. ومن هنا ينبثِقُ واجبُ الانصراف، على قدرِ الطَّاقةِ ووفقًا لنوعِ الدَّعوة، سواءٌ بٱلصَلاةِ أَم بٱلعملِ، إِلى ترسيخِ ملكِ المسيحِ وتوطيدِهِ في النُّفوس، وإلى نشرِهِ في جميعِ أَقطارِ الأَرض. وفي سبيلِ ذٰلكَ أَيضًا، تحمي الكنيسةُ وتعضُدُ، في كلٍّ منَ المؤَسَّساتِ الرُّهبانيَّةِ على ٱختلافِها، ميزتَها الخاصَّة.
الرّسالة: يع 1: 9-18
9 ليفتخر الأخ الوضيع برفعته.
10 والغنيّ بضعته، لأنّه كزهر العشب يزول:
11 طلعت الشّمس بحرّها، فأيبست العشب، وسقط زهره، وذهب جمال منظره، هٰكذا يذبل الغنيّ في مساعيه.
12 طوبى للرّجل الّذي يثبت في المحنة، لأنّه بعد أن يكون قد ٱمتحن، يأخذ إكليل الحياة، الذّي وعد به الله الّذين يحبّونه.
13 إذا جرّب أحد فلا يقل: "إنّ الله يجرّبني"! لأنّ الله لا يمكن أن يجرّبه الشّرّ، وهو لا يجرّب به أحدًا.
14 بل كلّ واحد بشهوتة يجرّب ، حين تجتذبه وتتملّقه.
15 والشّهوة متى حبلت تلد الخطيئة، والخطيئة متى ٱكتملت تولّد الموت.
16 لا تضلّوا، يا إخوتي الأحبّاء.
17 إنّ كلّ عطيّة صالحة، وكلّ هبة كاملة هي من عل، تنزل من عند أبي الأنوار الّذي لا تحيل فيه ولا ظلّ تبديل.
18 لقد شاء فولدنا بكلمة الحقّ، لنكون باكورة من مخلوقاته.
شرح آيات الرّسالة:
9-11 في الرّسالة تركيز على تفاوت المستوى المادّيّ والاجتماعيّ بين أفراد الجماعة المسيحيّة الواحدة (2/1-7؛ 5/1-6؛ أنظر 1 قور 1/26-29؛ 11/21-22)، ودعوة ملحّة إلى المشاركة، بدافع مسيحيّ نُهْيَويّ: يُرفَع الوضيع، لأنّ ميراثه حياة أبديّة، ويُحَطّ الرّفيع، لأنّ غناه زائل فانٍ. أنبأ العهد القديم بٱلخلاص الودعاءَ والبائسينَ والمساكينَ (صف 2/3؛ 1 صم 2/7-8؛ مز 72/4، 12)، وحفظ لهم العهد الجديد أسمى تقدير (متّى 5/3؛ لو 1/52).
9 إر 9/22-23.
برفعته: لا يقصد الكاتب تغييرًا مادّيًّا من ضَعَةٍ وفقر إلى جاه وغنى، كما حدث لأيّوب وطوبيَّا، بل إِنَّ تغييرًا داخليًّا قائمًا بالحصول على الإيمان المسيحيّ ورجاء السّعادة الأبديّة (2/5)، كافٍ لأن يكون موضوع فخر للمؤمنين.
10-11 مز 102/5، 11؛ آش 40/6-7؛ 1 بط 1/24؛ مر 4/6.
10 والغنيّ بضعته: ضَعة الأغنياء، في قلب الجماعة المسيحيّة الأولى، مردّها إلى ٱنخراطهم في جماعة مؤمنة متواضعة، ومشاركتهم في سدّ حاجات إخوتهم المسيحيّين الفقراء (رسل 2/42-47).
11 بحرّها: حرفيًّا "بٱلحرّ"، والمقصود إمّا حرّ الشّمس، وإمّا الهواء الجنوبيّ الشّرقيّ الحارّ في بلاد فلسطين.
جمال: اللّفظة اليونانيّة فريدة العهد الجديد.
يذبل: ترجمة أخرى "يذوي" اللّفظة اليونانيّة فريدة العهد الجديد.
12 متّى 5/3؛ دا 12/12؛ 1 قور 9/25؛ 2 طيم 4/8؛ 1 بط 5/4؛ رؤ 2/10؛ يع 2/5؛ روم 8/28.
تُعيد بٱختصار ما قيل في الآيات (2-4): دعوة إلى السّعادة والفرح، للمؤمن الثّابت على محبّة الله في أثناء التّجربة، لأن وعد الله بٱلإكليل قائم.
طوبى: حرفيًّا "سعيد" (1/25). تعبير مألوف في العهد القديم، يعد بٱلسّعادة من يسلك في شريعة الرّبّ (مز 1). أمّا العهد الجديد فيطوّب الصّابرين على محن الحياة الحاضرة، وعلى الألم والاضطهاد، من أجل المسيح؛ ويعدهم بإكليل الحياة الأبديّة في ملكوت السّماوات (5/11؛ متّى 5/10-12؛ لو 12/37-38؛ 1 بط 3/14؛ 4/14؛ رؤ 14/13؛ 16/15).
وعد به الله الّذين يحبونه: في مخطوطات صغرى وترجمات قديمة عدّة. في المجلّد الأفراميّ، ومخطوطات كبرى وصغرى عدّة "وعد به الرّبّ محبّيه". وفي البرديّ 23، والمجلّد السّينائيّ والإسكندريّ والفاتيكانيّ، وترجمات قديمة "وعد به محبّيه". أنظر 2/5.
13 سي 15/11-13؛ مثل 19/3؛ 1 قور 10/13.
لأنّ الله لا يمكن أن يُجرَّبه الشّرّ: ترجمة أخرى "لا يسعه أن يُجَرَّب"لفظة واحدة في الأصل اليونانيّ، فريدة العهد الجديد، حرفيًّا "لا مُجرَّب". يرجّح شرّاح معنى المفعول "لا يسعه أن يُجرَّب"، وغيرهم معنى الفاعل "لا يسعه أن يجرِّب". لٰكنّ القسم الثّاني من الجملة "ولا هو يُجرِّب أحدًا"، يرجّح المعنى الأوّل: فالله بشرور لا يُجرَّب، ولا يُجرِّب!
14 روم 7/7-10.
بشهوته يُجَرَّب: الله لا يُجرِّب أحدًا، ليُضلّه ويُبعده عن الحكمة (سي 15/11-13، 21)، بل هي الشّهوة تفعل ذٰلك، واللّذة الضّاربة في أعضاء الإنسان (4/1-4)، و"الميل الرّديء" بحسب تعبير الرّبّينيّين، و"روح الضّلال والظّلمة"، على حدّ تعبير آل قمران (أنظر روم 7/7-8؛ 1 يو 2/16-17). ٱمتحان الله للإنسان، كما ٱمتحن إبراهيم وأيّوب، هدفه أن يختبر إيمانه وطاعته، ليخرجه من الامتحان أسلم وأفضل. أمّا ٱمتحان الشّهوة للإنسان، كما ٱمتحنت آدم وحوّاء، فهدفها أن تُغري الإنسان، لتوقعه في الخطيئة. راجع شرح متّى 6/13.
تجتذبه: اللّفظة اليونانيّة فريدة العهد الجديد.
تتملّقه: اللّفظة اليونانيّة لم ترد، في العهد الجديد، إلّا هنا وفي 2 بط 2/14، 18.
15 روم 5/12؛ 6/23؛ عب 6/1؛ غل 6/7-8
ٱكتملت: اللّفظة اليونانيّة لم ترد في العهد الجديد إلّا هنا وفي لو 13/32، وفي العهد القديم (2 مك 15/39).
تولّد الموت: اللّفظة اليونانيّة "تلد"، هنا، وفي 1/18، فريدة العهد الجديد.
والخطيئة تولّد الموت: برغم التّشابه بين نظرة يعقوب، ونظرة بولس، إلى علاقة الخطيئة بٱلموت (روم 5/12؛ 6/23؛ 7/13)، فٱلتّباين أيضًا واضح: الخطيئة، في نظر يعقوب، ليست قوّة خارجة عن الإنسان، بل هي خطيئة الإنسان (2/9؛ 4/17؛ 5/15-16، 20). الموت ليس هو الطّبيعيَّ فحسب، بل النُّهْيَويّ أيضًا، نقيض الحياة الّتي تلد المؤمن بكلمة الحقّ (1/18)، والّتي وعد بها الله مُحبّيه (1/12).
17 متّى 7/11؛ يو 3/3، 27؛ 8/12؛ يع 3/15، 17؛ 1 يو 1/5.
كلّ عطيّة صالحة، كلّ هبة كاملة: يرى شرّاح، في هٰذه الآية، قولًا مأثورًا، سابقًا ليعقوب، عن عطيّة الله. يُضيف يعقوب أنّ تلك العطيّة إلٰهيّة، مصدرها الله وحده. إذا كان الله هٰكذا، يَضلّ كلّ القائلين على الله زورًا (13-16).
أبي الأنوار: الله خالق النّيّرات (تك 1/14-18)، وينبوع كلّ نور روحانيّ (1 بط 2/9؛ 1 يو 1/5). في قمران، رئيس الأنوار نقيض "ملاك الظّلمات". وفي التّرجمة الأرمنيّة للمنحول "رؤيا موسى"، ظهر لأوّل مرّة لقب الله "بأبي الأنوار".
لا تحويل فيه ولا ظلّ تبديل: سبع قراءات مختلفة، في المخطوطات، ٱخترنا منها قراءة المجلّد الإسكندريّ والأفراميّ والسّينائيّ المصحّح، ومخطوطات كبرى وصغرى وترجمات قديمة عدّة.
تحويل: اللّفظة اليونانيّة فريدة العهد الجديد.
ظلّ: اللّفظة اليونانيّة فريدة العهدين.
18 1 بط 1/23؛ يو 1/12-13؛ مز 119/43؛ رؤ14/4.
شاء: تصميم الله الخلاصيّ لفداء الإنسان بادرة مجّانيّة من الله الآب.
ولد: راجع 1/15.
كلمة حقّ: هي كلمة التّعليم الحقّ، كلمة الإنجيل (1 بط 1/23-25؛ قول 1/5؛ أف 1/13؛ 2 طيم 2/15)، مُجمَل الوحي الإلٰهيّ للنّاس أجمعين، يدعوها الكاتب أيضًا "شريعة الحرّيّة" (1/25)، و"الشّريعة الملكيّة" (2/8). هي نقيض الشّهوة الّتي تلد موتًا (1/15)؛ فهْي مثل كلمة الله الخالقة تلد المؤمنين ليكونوا باكورة جديدة من مخلوقات الله كافّة. فكلّ مؤمن يقبل الإنجيل، كلمة الله، في قلبه، ويعتمد، يولد ولادة جديدة لحياة جديدة (1 بط 1/23؛ طي 3/5؛ يو 3/3، 5). هٰذه هي عطيّة أبي الأنوار!
باكورة: هم المهتدون إلى المسيح الأوائل (1 قور 16/15؛ روم 16/5)؛ وهم المعمّدون المولودون إلى الحياة الجديدة (يع 1/18)؛ وهم، بنوع أخصّ، الشّهداء الّذين قرّبوا أنفسهم لله، من بين النّاس أجمعين، كأوائل ثمر الأرض (تث 26/1-11)، باكورة الله والحمل (رؤ 14/4).
الإنجيل
لو 17: 11-19
شفاء عشرة بُرص
11 وفيما كان يسوع ذاهبًا إلى أورشليم، ٱجتاز ما بين السَّامرة والجليل.
12 وفيما هو يدخُل إحدى القُرى، لَقيَهُ عشرةُ رجالٍ بُرص، فوقفوا من بعيد،
13 ورفعوا أصواتـهم قائلين: "يا يسوع، يا معلِّم، إرحمنا!".
14 ورآهم يسوع فقال لهم: "إذهبوا وأرُوا أنفُسكم للكهنة". وفيما هُم ذاهبون طَهُرُوا.
15 فلمّا رأى واحدٌ منهم أنّهُ قد شُفيَ، عادَ وهو يُمجِّد الله بصوتٍ عظيم.
16 وٱرتمى على وجهه عند قَدَمي يسوع يشكرهُ، وكان سامريًّا.
17 فأجاب يسوع وقال: "أما طَهُرَ العشرة؟ فأينَ التِّسعة؟
18 أمَا وُجِدَ فيهم مَن يعود ليُمجِّد الله سِوى هٰذا الغريب؟!".
19 ثم قال لهُ: "قُمْ وٱذهَبْ، إيمانُكَ خلَّصَكَ!".
شرح آيات الإنجيل:
11-19 ذكر لوقا في 5/12-14 شفاء أبرص. وهممّه هنا، لا شفاء أبرص آخر، بل موقف السّامريّ الأبرص، الشّاكر ليسوع. كان اليهود يحتقرون السّامريّين، ويعاملونهم كوثنيّين، لإشراكهم آلهة وثنية في عبادتهم يهوه الإلٰه الواحد، وذٰلك منذ غزو أشور للسّامرة، في القرن الثّامن قبل المسيح، وتوطين غرباء وثنيّين مكان يهود هجّروا وسبوا (4 مل 17/30-41). فلوقا يتوقّف على موقف السّامريّ، وإشراكه في نعمة ملكوت الله، وعلى تفوّق هٰذا السّامريّ على رفاقه اليهود أنفسهم.
11 لو 9/51؛ 13/22؛ 9/52؛ يو 4/4.
ذاهبًا إلى أورشليم: يذكّرنا لوقا مرارًا في إنجيله (9/51-19/27) بمسيرة يسوع، عبر الجليل والسّامرة، إلى أورشليم، غير آبه لذكر الأماكن الّتي يمّر بها يسوع، مهتمّا بمسيرة يسوع الكبرى صوب الآب، عبر الآلام، والموت، والقيامة، في أورشليم.
ما بين السّامرة والجليل: سار يسوع على الحدود الفاصلة بينهما، وٱنتهى إلى وادي الأردنّ، وٱنحدر إلى أريحا (18/35)، ومنها صعد إلى أورشليم.
12 أح 13/45-46.
عشرة برص: العدد 10 يعني الشّعب، أو الجماعة بأسرها، كما مثل الأبرار العشرة المدينة بأسرها (تك 18/32). ولم يكن في الشّعب من يشكر يسوع سوى واحد، وكان سامريًّا!
13 متّى 9/27؛ 15/22؛ لو 18/38
14 متّى 8/4؛ مر 1/44؛ لو 5/14؛ أح 14/2-3
15 لو 2/20
17 لو 10/33
20 متّى 8/10؛ لو 7/50؛ 8/48؛ 18/42.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة:(صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كلّيّة اللاّهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاّح بكرم الرّبّ.