لم يكن مفاجئا أن يستنفر بشار الأسد أذنابه في لبنان فور انتهاء سمير جعجع خطابه في ذكرى شهداء "المقاومة اللبنانية". إنما ما كان مفاجئا هو ألا يكون بقي لبشار غير جماعة الصف العاشر وما دون.
وجيه البعريني، حزب عبد الرحيم مراد، ابراهيم كنعان، مصطفي علي حسين، كمال الخير، وغيرهم من إعلام "8 آذار"، وأولهم الإعلام العوني السخيف وللأسف أن يكون تلفزيون "الجديد" انضم الى الجوقة، وجريدة "الأخبار" بطبيعة الحال… جوقة واحدة تابعة لنظام البعث الذي يعيش آخر أيامه، تنطحت للرد على رئيس حزب "القوات اللبنانية".
لم يعد يجد بشار الأسد في لبنان للتهجم على جعجع سوى هذه النماذج البائدة، وحتى من بين النواب لم يتبرّع غير ابراهيم كنعان… إفلاس ما بعده إفلاس. وقد يصحّ فيهم تعبير "الحكيم" في قداس الشهداء "سقط القناع"!
في المضمون لا أحد منهم يستأهل أي ردّ، لأن كلامهم بات ممجوجاً ويثير الشفقة، وخصوصا حين يكون من بينهم من يقول كلاما ومن ثم يباشر الاتصالات لتخفيف وطأته والتراجع عنه، ومنهم من لم يسمع به اللبنانيون يوماً ولن يسمعوا…
سمير جعجع يغيظهم لأنه رأس الحربة كما دائما في مواجهة النظام السوري المجرم منذ العام 1975، ولم ينقل بندقيته يوماً.
نكتفي في هذا الإطار بما كتبه الراحل جوزف سماحة، رئيس التحرير الأسبق لجريدة "الأخبار" في 25 أيلول 2006 تحت عنوان "خيار مازوشي" في جريدة "الأخبار" إياها!
كتب جوزف سماحة:
الاحتفال بـ "شهداء القوات اللبنانية" أمس يحمل دليلاً إضافياً على انعدام التوازن الذي يعيشه لبنان هذه الأيام.
كان المهرجان، بمعنى ما، يوماً للانتصار. إنه الانتصار الذي يحسم في الأرجحية الأيديولوجية لـ"القوات" ضمن فريق الأكثرية النيابية والحكومية (يومها). تتجاوز هذه الأرجحية غلبة فكرة معيّنة عن لبنان وموقعه الإقليمي لتطال قضايا مهمة ذات صلة بالنظام الاقتصادي ــ الاجتماعي المرغوب، وهو نظام يمكن أن نجد له أصولاً فكرية في بيئة "القوات" أكثر من بيئة حلفاء "القوات".
إنه يوم النصر الأيديولوجي. تبقى هذه الملاحظة صحيحة حتى لو حضر قواتيون مهرجاناً لشهداء حزب حليف لهم اليوم كان خصماً لهم بالأمس (الحزب "الاشتراكي" مثلاً). ففي الحالة الثانية، الافتراضية، كما في الحالة الأولى الواقعية، الخطاب المهيمن خطاب قواتي. لقد بات الفريق السياسي اللبناني المعروف بـ"14 آذار" يملك أو يتبنى رواية لما جرى في العقود الثلاثة الأخيرة أقرب، بما لا يقاس، إلى الرواية التي يمكن سمير جعجع أن يسردها ويعتبرها من حقوقه المحفوظة.
القوى المتحالفة مع "القوات" قامت بمراجعة للماضي القريب، واعترفت بأخطاء استراتيجية وتكتيكية مؤداها أن الالتحاق بالفلسطينيين ثم بالسوريين هو سبب الخراب اللبناني. واستنتجت من ذلك أنها لن تسمح للمقاومين الإسلاميين بجرّ لبنان إلى انخراط محوري في صراعات المنطقة. وبناءً على هذه المراجعة تعترف هذه القوى بأن "المقاومة اللبنانية"، أي المسيحية، هي الركيزة وهي الصخرة التي أدّى صمودها وقتالها إلى الاستقلال الحالي وإلى ما يسمّى "ثورة الأرز". هذا انقلاب فكري وثقافي هائل الأهمية في لبنان يجد تعبيراً عنه في نتاجات إعلامية وسياسية ذات دلالة. ولا يقلل أهمية هذا الانقلاب استمرار أطراف في الأكثرية، من غير "القوات"، في ادعاء النسب البعيد إلى العروبة وقضايا المنطقة ونضالاتها.
عندما تحدث جعجع في مهرجان أمس كان يعبّر بوضوح عن شعوره بأنه بات في موقع الأرجحية الأيديولوجية حيال بعض الحضور. كان سعيداً بهذا التعويض المعنوي. كان يدرك أن بين الحاضرين اعتذاريين أيديولوجيين لـ"القوات" وسياستها و"مقاومتها". أكثر من ذلك، كان منتبهاً، على الأرجح، إلى أنهم اعتذاريون من الدرجة الأولى لأنهم قدموا لإحياء ذكرى شهداء تحاربوا معهم فقتلوا منهم من قتلوا أو ماتوا على أيديهم. لقد قدموا إلى حريصا باسم مصالحة ثبت لاحقاً أنها عقدت فوق القاعدة الأيديولوجية التي بنتها "القوات اللبنانية".
إنه هو ما قاله سمير جعجع في قداس الشهداء في معراب: "نلتقي هذا العام، وقد انتصر التاريخ لشهدائنا وللقضية. اربعة عقود من الكذب، والباطنية، والافتراء، والتضليل حتى كدنا نصدّق أننا نحن الكفار والعملاء والجلادون، وأنّهم هم الوطنيون، والأتقياء، وطلاب الأمن والسلام، حتّى انكشفوا على حقيقتهم. انكشفوا على حقيقتهم في سوريا يقضون على الأبرياء رجالاً، عجزاً، نساءً وأطفالاً، ويدمّرون المدن والقرى ، كما كانوا يفعلون عندنا. وضبطوا بالجرم المشهود في لبنان، يرسلون المتفجّرات وعبوات الموت بأهداف شيطانية قاتلة. تعددت وسائل القتل والإرهاب وطرقها، لكنّ المصدر واحد. إنّه نظام السجون والقبور، محور الشر الفعلي، رأسه في دمشق، وأذنابه في لبنان".
نعم، بالأمس أيضا، كان انتصار لشهدائنا وقضيتنا. نحن لم نغيّر ولم نتبدّل ولم نبدّل مبادئنا. حلفاؤنا هم من تبنّوا رؤيتنا الى "لبنان أولا" التي رفعها الرئيس الشهيد المؤسس الشيخ بشير الجميّل. وحلفاؤنا أيضا انتقلوا الى حيث نحن في موقع العداء لنظام البعث المجرم في سوريا، والذي عاث خراباً ودماراً ومجازر في لبنان قبل أن يدمّر المدن السورية على رؤوس السوريين.
أما بعض المتبرّعين لمهاجمة سمير جعجع بما يمثله، فهم الذين انتقلوا الى الضفة الأخرى ليصيروا حلفاء البعث المجرم، وأنصار حملة السلاح "الإلهي" على حساب الدولة، من الداعين الى "طمر" قضية اللبنانيين المعتقلين في سجون بشار الأسد تحت عنوان المفقودين في الحرب اللبنانية، وعادوا الى نغمة المقابر الجماعية بعدما باتوا يعيشون في قبور فراغهم، ويغضون النظر عن كل القبور التي فتحها في لبنان إجرام بشار الأسد وكل حلفائهم…
إبق يا "حكيم" حيث أنت في شموخك المسيحي- اللبناني، وفي بُعدك العربي الرحب، وليموتوا غيظاً حيث هم، فإن الأقنعة سقطت، وأيامهم باتت معدودة بحيث يزولون مع زوال أسيادهم البعثيين…