لا يقل الرئيس نبيه بري براعة عن سياسيي صيغة 1943، لكأنه فر من زمنهم، إلى زمن الوصاية بعدما عايش الحرب وساهم فيها، بأوجهها المحلية والإقليمية، ثم انسل إلى مرحلة الاستقلال الثاني، تحت عنوان أنه ضروري ومعبر بين معسكري السياسة، رغم أنه طرف أساس في أحدهما. فالرجل يحسن التسويق لموقف وضده، في آن، ويحالف ويخاصم في آن، ويقلد معاوية، على كرهه له، في إبقاء الشعرة بينه وبين الآخرين، حتى بات ضرورة للخصوم والحلفاء معا.
هو غلالة اللبننة التي تستر تفتيت الدولة لمصلحة الدويلة، وهو نسغ الشرعية الذي يتخلل أي اعتداء عليها: إخترع الميثاقية لتعطيل المحكمة الدولية، واستنبط أن إغلاق مجلس النواب يمنع البلاد من الانقسام، ولم يجد في مشاركة شرطة المجلس في انقلاب 7 أيار الشهير ما يسيء الى الدولة والشرعية. وهو، وهذا الأهم، من يخفف من الوهج الايراني – الأسدي لمشروع حليفه الأمين العام، ويعطيه، من موقعه الرسمي، لمسة محلية، تبرر قول مؤيديه أنه "صمام أمان للبنان".
لكن الإعجاب ببراعة رئيس السلطة الثانية، وصاحب الرقم القياسي عالميا، في "احتلال" هذا الموقع، يعتمد كثيرا على قوة ذاكرته، وربما على ضعف ذاكرة الرأي العام، أو قلة ذكائه، كحاله في دعوة اللبنانيين إلى أن "يتقوا الله في هذا الوطن" منبها إلى أن ليس من حاضن إلا الدولة، التي تدمر منهجيا منذ الانقلاب على السلم الأهلي في أيار المجيد، وبمساهمة منه، ومحذرا من"تقاسم وتقسيم للادوار والشوارع والمناطق" كأن السامعين لم يعرفوا يوما بالحدود غير المرئية للضاحية، والأمن الذاتي، منذ تنعم أهلها بفائض قوة متحدر من أصول مقاومة (بكسر الواو) وحتى "استقلال" شوارع داخلها عن كل سلطة، وبعضها مطوّب لحركة"أمل" التي يرأسها إلى جانب مجلس النواب.
ربما هو هذا الرهان الذي ينسيه أنه رئيس منذ 21 عاما، وأن خطابه في تقصير الدولة لا يبرّئه، وإن كان يسجَل له أنه مد اهتمامه إلى عكار والضنية للمرة الأولى، وكرر غيرته على البقاع للمرة الألف بلا ترجمة. كما يسجل له أنه رفع نسبة اللبننة في خطابه، كأنه خارج المشروع الإقليمي لحليفه، وأناشيد الحرب، ولم يدافع عن نظام الأسد وإن اتخذ موقفا تصالحيا يساوي بين القاتل والضحية، بدعوتهما إلى التحاور، متخليا عن الكلام الممجوج على" الممانعة والمقاومة". لكنه لم يبرأ تماما منه: فبعدما أكد أن" لكل ظالم نهاية" و"أننا وقفنا إلى جانب الشعب الليبي البطل في الإعلان عن نهاية عصر الديكتاتورية والتسلط والوحدات العربية والافريقية المشبوهة" يلتفت إلى سوريا فيرى "مؤامرة دولية وتدميرا لسوريا وإحلال "سايكس – بيكو" جديد".
دولة الرئيس، ليس من شعرة معاوية بين ليبيا وسوريا، بل تشابه حتى التطابق.