ليس واضحاً ما اذا كانت مطالبة مسؤول منطقة البقاع في "حزب الله" النائب السابق محمد ياغي "بأن يكون في لبنان كتاب تاريخ خال من الشخصيات الدون كيشوتية"، مجرد خطاب احتفالي، أم مقدمة لفتح جدال متجدد حول كتاب التاريخ، الذي لم تنجح كل المساعي والجهود منذ اطلاق المناهج التربوية الجديدة في العام 1997، وحتى اليوم، في انضاج ظروف ولادته.
الجدل مستمر حول كتاب موحد، في بلد لا تاريخ موحداً له، اذ ان النظر الى الوقائع ظل متناقضاً على الدوام، فلا رؤية واحدة، ولا قراءة موحدة لمجريات الأحداث، وربما لن تكون حتى في المستقبل، اذ انه حتى في ظل حكم الديكتاتوريات، ومنها الاحتلال الإسرائيلي، والوصاية السورية، بعد الانتداب الفرنسي، والاحتلال العثماني، لم تخرس الأصوات المختلفة والمنادية بالتحرر والاستقلال والتي مضى أصحابها بعكس ما كان يروَّج له في كل زمن.
يمضي ياغي في طلبه بأن كتاب التاريخ يجب "ان يؤرخ للمقاومة التي نهضت بلبنان، ولأرواح الشهداء الذين حافظوا على لبنان، وان يتخلى البعض عن الدخول في أسماء ساهمت في خراب الوطن وليس في بنائه". وهذا الكلام يعيدنا، كما في كل مرة، الى المربع الأول، بل الى نقطة الصفر، لأن تصنيف الأشخاص والمصالح أمر خلافي عميق. فالشهداء والمقاومون هم أنفسهم، أسقطوا في مقاومة الإسرائيلي أو السوري، أو حتى الفلسطيني الذي كان يريد لبنان وطناً بديلاً. وحروب المخيمات شملت كل الفئات ومن كل الطوائف دفاعاً عن لبنان. فهل يعتبر ياغي ان الذي قاتل الفلسطيني هو مقاوم وشهيد أم ان التصنيف الجديد يرذله؟
ثم ماذا عن السلاح خارج الدولة؟ وماذا عن التغيير الديموغرافي المتعمد في غير منطقة؟ وماذا عن شبكات الاتصالات غير الشرعية؟ وماذا عن الأمن الذاتي؟ وماذا عن قفل الطرق؟ وماذا عن الخطف؟ أليست تصرفات ينفذها أشخاص يساهمون في خراب الوطن، وتدمير أسس الدولة، بل تقويض فكرة دولة المؤسسات من أساسها؟ هل هي أعمال يجب ان تؤرخ وتدون؟
ما هو التصنيف الذي سيعتمد؟ وكيف سيُكتب "التاريخ بصدقية عالية من لجنة تتمتع بشفافية عالية، وصادقة وواضحة، ووفية لأرواح الشهداء"؟
لبناء الدولة كل دولة، عناصر الأرض والشعب والمؤسسات، ولتدمير دولة، أي دولة، شراء الأرض لتهجير الشعب، وتدمير المؤسسات وافراغها من مضامينها، وهو أمر يحصل تدريجاً، ثم تزوير التاريخ لمحو الذاكرة الجماعية للأجيال المقبلة وللعالم. هذا ما فعلته وتفعله منظمات دولية مشبوهة الأهداف والرؤى في أماكن عدة ساخنة في العالم، وهذا ما نخاف منه في الداخل.
إعادة فتح موضوع التأريخ حالياً في ظل الصخب الذي يحوطنا في الداخل والخارج، غير واضحة الا اذا كانت مطلباً "دون كيشوتياً" يحارب طواحين الهواء.