#adsense

ليست مسألة أسابيع أو أشهر

حجم الخط

تطرّقت رسالة متداولة عبر الإنترنت قبل بضعة أسابيع إلى موضوع "إخوتنا اللاجئين السوريين في الأردن"، وعرضت تأمين مساكن مجاناً للعائلات السورية التي تحتاج إلى أماكن للإقامة فيها. بدت لي عبارة "اللاجئين السوريين" غريبة ومثيرة للصدمة في ذلك الوقت. ولكن مثل سمفونية منظّمة، بدأت العبارة تظهر في أماكن متعدّدة، وتسلّلت إلى الأخبار إلى جانب التقارير عن التفجيرات والمجازر وارتفاع حصيلة القتلى والعبوات المزروعة في الطرق والنزاع المذهبي. وبدأت كلمات مثل مسيحيين ودروز تظهر من حين الى آخر وكأنّ هدفها هو تنقيح الرواية وجعلها تتناسب أكثر مع منطق الحرب الأهلية الشاملة التي تلوح في الأفق.

كلمة "لاجئون" هي النذير الأسوأ للحرب. في طفولتي، هربت عائلتي مرّات عدّة من الحرب في لبنان. ومع أن الحياة تحت القصف المستمر وفي ظل الشعور الدائم بالخوف كانت قاسية، كانت العودة إلى الوطن والمكوث فيه على رغم المخاطر الواضحة، تمنح شعوراً جميلاً على الدوام. إنه لأمر جيد أن يتحدّى المرء العنف مع الباقين – ليس بملء إرادته دائماً – وكأنه يفي ما عليه تماماً مثل الآخرين من حوله.

في سوريا، يهرب الناس بالآلاف. وقد كانت تركيا أول بلد يفتح أبوابه لتأمين الإغاثة للمواطنين السوريين، والمساعدات للثوار، والسماح للمساعدات الإنسانية بدخول البلاد. وكان لبنان مقصداً للأمواج الكبيرة الأولى من النازحين السوريين، لكنهم لا يلقون ترحيباً من الحكومة اللبنانية الموالية بشدّة للأسد والتي تردّد مع النظام السوري اللازمة التي تدّعي أنه ليس لدى السوريين ما يخشونه، وعليهم العودة إلى ديارهم. وفي هذه الأثناء، تجهّز البلدان المجاورة رسمياً المخيّمات وتفتحها استعداداً لاستقبال اللاجئين الجدد… السوريين. ويطلب الأردن ملايين الدولارات من المجتمع الدولي لاستيعاب هذه الأزمة الهائلة.

إلى جانب راحة البال، ليس أمام السوريين سوى أن يتطلّعوا الى الحصول على الخيم والفرش والشراشف والوسادات. ثم الأرز والسكّر اللذين تتصدّق عليهما به البلدان. سوف يهبط العطف المتصنّع على اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم من دون بلد أو سقف يحميهم، وغادروا بحثاً عن ملاذ يقيهم العنف الذي لا يحتمل. كيف وصل السوريون إلى هذه الدرجة؟ كيف يصير الإنسان لاجئاً؟ هو لا يختار هذا المصير، وليس شرفاً له على الإطلاق. إنها الظروف، وموقف شعبٍ تعرّض للخيانة من الجميع. لقد خان السوريون بعضهم بعضاً بدل أن يحموا أبناء وطنهم ويحافظوا على كرامتهم. والبلدان المجاورة خانت السوريين، لأن كلا سعى إلى تحقيق مصالحه، ولم يقدّم سوى دعم شحيح للشعب السوري. والمجتمع الدولي خان السوريين لأنه لا يرى أي منفعة في التدخّل. وروسيا والصين خانتا السوريين لأن السياسة الدولية أهم في نظرهما من أرواح عشرات الآلاف من الأشخاص الذين لقوا حتفهم ولا يزال القتل مستمراً.

اوجه الشبه الكثيرة بين سوريا اليوم والحرب الأهلية اللبنانية قبل 15 سنة، تثير الذهول. ولكن في عصر السرعة والإنترنت في مواجهة الاستبداد والبروباغندا وحصيلة القتلى المخيفة والدمار وتداعي البنى التحتية، يبدو أن سوريا ستتجاوز لبنان بأشواط. إنه واقع محزن يشبه رسالة التعاطف المتداولة عبر الإنترنت والتي تعرض تأمين السكن مجاناً للسوريين. فغالب الظن أن هؤلاء السامريين الصالحين لا يدركون أن اللاجئين سيُضطرون إلى البقاء اكثر من مجرد أسابيع أو أشهر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل