إستأثرت زيارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى الديمان، يرافقه عشرة وزراء، باهتمام كبير على مستوى العدد الوزاري والأهداف الكامنة خلفه، في حين كان لافتاً غياب وزراء «جبهة النضال الوطني» عن الزيارة، ولم يُقنع تبرير ميقاتي عندما أشار إلى ارتباطات مسبقة منعتهم من المشاركة.
وهنا توضح المعلومات أنّ رئيس الحكومة أراد مناقشة قضايا مهمة مع البطريرك الراعي في حضور الوزراء، بدءاً من الوضع السوري وانعكاساته على لبنان، إلى قانون الانتخاب والأوضاع الاقتصادية. وقد حاول ميقاتي، كما أشار قياديّ في 14 آذار، أن يكسب الساحة المسيحية لدعمه في مواجهة الحملات التي تتعرّض لها حكومته، كاشفاً أنّ رئيس الحكومة شكا للبطريرك الراعي من الظلم اللاحق بالحكومة، وما يتعرّض له من تجريح لا سيّما من قيادات مسيحيّي قوى الرابع عشر من آذار. وفي هذا المجال بدا التناغم بين ميقاتي ووزير الطاقة جبران باسيل واضحاً وإيجابيّاً إلى أبعد الحدود، في ضوء ما عبّر عنه ميقاتي لدى حديثه عن "الرئيس" العماد ميشال عون ودوره ومكانته وتفهّمه للأوضاع في البلد، والتعاون القائم مع وزرائه في الحكومة.
وفي المقابل، تمنّى البطريرك الراعي على رئيس الحكومة أن يولي الشأن الاقتصادي والاجتماعي أهمّية مطلقة، مع إبدائه تفهّمه لقدرة الدولة المالية. أمّا بالنسبة إلى قانون الانتخاب، فقد بدا التوافق واضحاً، إذ أيّد ميقاتي طروحات بكركي في هذا السياق، وعرض للبطريرك سياسة الحكومة من مجمل الوضع الراهن، خصوصاً بالنسبة إلى السياسة القائمة على "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية، وهو ما باركه وأيّده سيّد الصرح. ثمّ عرض الوزراء المرافقون لعمل وزاراتهم، حيث وضعوا البطريرك في أجواء كلّ الخبايا والخطط الموضوعة، وما يجري في هذه الوزارات.
أمّا في ما يتعلق بغياب وزراء "جبهة النضال" عن الزيارة، فقد ذكرت المعلومات أنّ الوزير وائل أبو فاعور تغيّب بسبب وجوده في نيويورك، فيما طلب الوزيران غازي العريضي وعلاء الدين ترّو، الموجودان في بيروت، من ميقاتي إعفاءهما من مواكبته إلى الديمان، وقد تفهّم رئيس الحكومة دوافع هذا الاعتذار الناتج عن الأجواء الفاترة السائدة على خط العلاقة بين بكركي والمختارة بسبب قانون الانتخاب. فقد سبق أن زار النائب وليد جنبلاط بكركي على رأس وفد وزاري ونيابي من كتلته، وحصل اتّفاق آنذاك على اعتماد قانون 1960 في الانتخابات المقبلة، ليفاجَأ سيّد المختارة بعدها بعدم موافقة البطريرك على هذا القانون، حتى إنّه تخطّى قانون اللقاء الأرثوذكسي وأيّد النسبية، متناغماً بالتالي مع العماد عون في قانون الانتخاب وفي الملفات السياسية كافّة، في حين أنّ الخلاف الآخر تمثّل حول جولة البطريرك في الجبل والتي لم تشمل المختارة، الأمر الذي لم يهضمه جنبلاط وتسبّب باتساع الهوّة بينهما، هذا إضافة إلى عدم استيعاب جنبلاط مواقف البطريرك، وتحديداً نظرته إلى الأحداث السوريّة، وعدم إدانته النظام وما يقوم به من أعمال عدوانية في سوريا وفي لبنان.
من هذا المنطلق، يلاحظ، ومنذ فترة طويلة، غياب وزراء ونوّاب ومسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي عن زيارة بكركي أو الديمان، في حين أنّ رئيس الحزب الاشتراكي لا يترك مناسبة إلّا ويشيد خلالها بالبطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، ويؤكّد المصالحة التي أرساها معه في الجبل.
في المقابل، ترى جهات سياسية موالية لحراك رئيس الحكومة، أنّه يعمل على تعويم حكومته التي تصل دائماً إلى مرحلة السقوط، ثمّ تعوم مجدّداً بفعل منشّطات "حزب الله" وسوريا. ولذا حاول ميقاتي تأمين غطاء مسيحيّ قوي يقي حكومته من السقوط، ويؤدّي إلى الالتفاف على الحملات التي تتعرّض لها، وعلى هذه الخلفية أتت زيارة الديمان.