قد يكون الجدل الدائر في لبنان حول تطبيق قانون منع التدخين مناسبة ليتنفس الناس شيئاً من الهواء النقي، بعيداً عن دخان التفجيرات عند الحدود السورية والقذائف المتبادلة في شوارع طرابلس، وحريق إطارات السيارات عند مداخل العاصمة وفي الطريق إلى مطارها الدولي.
انه جدل من النوع الذي يضر ولا يؤذي، والذي شهدت مثله بلدان كثيرة، بما فيها بلدان أوروبية، حول حق الدولة في منع التدخين بالقوة في الأماكن العامة، والأهم حول مدى قدرتها على فرض قانون كهذا على المواطنين. وبالطبع فإن قلة من الناس لديها حجج سليمة تستطيع أن تدافع بها عن موقفها المعارض لمنع التدخين. فأضرار آفة التدخين لم تعد سراً على احد، ولا حاجة إلى قوانين لإبلاغ الناس بهذه الأضرار. ومن هنا فإن المعترضين على هذا القانون، في لبنان كما في البلدان الأخرى التي واجهت اعتراضات مماثلة، هم عادة من أصحاب المطاعم والمقاهي وأماكن اللهو، حيث يؤثر منع المدخنين على مداخيل هذه الأماكن. ولذلك كان الحرص من جانب الحكومات وأصحاب المطاعم في هذه البلدان، على السماح بفسحات خارجية مفتوحة تتيح للمدخنين ممارسة «آفتهم» من دون أن يضر ذلك بصحة الآخرين، ومن دون أن يقطع في الوقت ذاته أرزاق المنتفعين من هذه الأماكن السياحية. وتزيد أهمية السماح بأماكن كهذه في لبنان، حيث عانى أصحاب هذه الأماكن كثيراً في موسم الصيف، بسبب الاستباحة السياسية والأمنية الشاملة كل مؤسسات البلد ومرافقه.
غير انه وبعيداً من تفاصيل التنفيذ، فإن ما يغلب عادة عند إقرار قانون منع التدخين في الأماكن العامة، مثل كل قانون آخر، هو المصلحة العامة والحاجة إلى أخذها في الاعتبار الأساسي. فإذا تغلبت هذه المصلحة على مصلحة أي فريق من المواطنين، تصبح هي القاعدة التي تتقرر على أساسها مسيرة المجتمع. ويبقى أن تستطيع الحكومة، أي حكومة، فرض احترام المصلحة العامة على جميع مواطنيها وبأية وسائل.
إذ لا يمكن بطبيعة الحال أن يقف شرطي وراء كل مواطن لمنعه من التدخين، أو من استخدام هاتفه الخلوي أو ربط الحزام عند قيادة سيارته. فالدولة والمجتمع يعتمدان لتطبيق قوانين كهذه على الحس الوطني العام وعلى الشعور بالمسؤولية الجماعية، أو على ما يسمى باللغة السائدة «احترام القانون». والدول التي استطاعت أن تطبق في مجتمعاتها القوانين التي نتحدث عنها، أو ما شابهها، لم تلجأ إلى وضع الحواجز الأمنية أمام المطاعم، ولم تستدعِ جيشها من الحدود لاستخدامه في ملاحقة من يرفضون ربط حزام الأمان. ذلك أن المواطن في دول كهذه يعتبر من تلقاء نفسه أن واجبه هو احترام القانون.
وبالعودة إلى لبنان، فإن الصعوبة الكامنة وراء تطبيق قانون منع التدخين تكمن حصراً في هذه النقطة، أي في الميل الطبيعي، ونكاد نقول، الغريزي، عند عموم اللبنانيين، لمخالفة القانون. وبطبيعة الحال فالحجة جاهزة دائماً، إما لأن هناك «ما هو أهم» وإما «لأننا نريد أن نعيش»، أو لأن الدولة لا تجرؤ إلا على الضعيف والـ «بلا ظهر». والأسوأ من ذلك، بسبب انتشار ظاهرة رشوة القوى الأمنية لمحاولة منعها من تطبيق القانون. وقد لفتني دفاع زميل صحافي على إحدى القنوات التلفزيونية عن صعوبة تطبيق منع التدخين، فروى أنه استطاع رشوة شرطي لمنعه من تطبيق مخالفة سير بحقه، بأن دفع له مبلغاً يساوي نصف قيمة الغرامة التي كانت متوجبة عليه.
في دولة كهذه ومع مواطنين كهؤلاء، لا بد أن ينتهي القانون، أي قانون، في الأدراج، بعد أن يخجل واضعوه من إقراره، كما يخجل المكلفون بتطبيقه من فرضه. ويعود كل شيء في وطن الأرز إلى ما كان عليه.