كتب الدكتور نبيل قسطه الأمين العام لرابطة المدارس الإنجيلية في لبنان في صحيفة "النهار":
بعد صيفٍ أمضيناه منشغلين بالاجتماعات والمساومات والتهديدات والتصريحات والتصريحات المضادّة والوساطات من وزير التربية مشكوراً، ومن يمثلونه، ينتاب جميع المَعنِيِّين شعورٌ بأنّنا لم نُحرِز أيَّ تقدُّم. وعلى خطوات قليلة من بداية العام الدراسي الجديد 2012 – 2013، يثير الاسف استمرار المشادات بين نقابة المعلِّمين، واتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، ووزارتَيِ التربية والمال.
فالخطر ما زال قائمًا. ما زالت الاحتمالات قائمة أن يعود المعلّمون ويضغطوا لتحصيل حقوقهم من خلال الإضرابات؛ فهذا هو الأسلوب المتَّبع في أيامنا هذه. وفي المقابل، وإن آلت الأمور إلى التصعيد من المعلمين، فالخطر أيضًا واردٌ في أن يتّخذ عددٌ من المدارس قرار الإقفال لئلا يضطرَّ إلى رفع الأقساط.
إذًا، ما زلنا تحت وطأة التهديد بتشريد آلاف الأساتذة وتعريض أسرهم لاخطار جمّة أقلّها تهديدهم بالقوت اليومي، ونحن تحت وطأة تهديد عشرات آلاف التلامذة بإضاعة عامهم الدراسي والتسبب بتسرّب قسري للعديد منهم. فمعلوم أنّ أهالي التلامذة ما عادوا يتحملون أيَّ زيادة على الأقساط، حتى لو كانت محقّة، لأنّ معظمهم كما الأساتذة يرزحون تحت وطأة الضغط الاقتصادي وغلاء المعيشة والشعور بعدم الأمان على جميع الأصعدة، ولا سيّما في التعليم والصحّة.
في جوٍّ كهذا، مشحون بالاتهامات والاتهامات المضادة واللوم والخوف من الغد الذي لا يبدو أنه يحمل أي اطمئنان الى تأمين الحاجات الأساسية، لا يمكن أن نطلب من الأساتذة أن يعطوا أحسن ما لديهم. فقد نطلب منهم، وبإلحاح، أفضل النتائج لأولادنا، ولكن ليس من ضمان لالتزامهم ذلك. فتركيزهم معظم الوقت مشتّت بسبب الشعور، وربّما الاقتناع، بأنّ الجهة الموظِّفة (أي إدارات المدارس، أو وزارة التربية) تهضم حقوقهم وتحرمهم وأسرهم العيش الكريم والمحترم ولا تصغي الى مطالبهم المحقّة كلها في نظرهم، ولا يمكن تأجيلها بعد اليوم. وبالطبع هذا ليس صحيحًا، إنما نتفهَّمه. كم كنت أتمنى لو أنّ الأساتذة أمضوا العطلة الصيفية ليتحضروا للعام الدراسي الجديد في جوّ إيجابي بدل هذا الجو المشحون بالمشاعر والأفكار السلبية. وكم كانت الفائدة على أدائهم أكبر لو أمضوا أشهر الصيف ليأخذوا قسطًا وافرًا من الراحة ويخصصوا جزءًا من الوقت المتبقِّي للمشاركة في حلقات تدريبية، أعدَّتها الوزارة كي يتعرّفوا أكثر الى ما يمكن أن يقدموه الى التلامذة الذين يواجهون صعوبات و/أو اختلافات في التعلُّم ( learning difficulties and/or learning differences)، وليزيدوا اطِّلاعهم على حاجات، وحقوق، وميزات ذوي الحاجات الخاصة. وفوق هذا كلِّه تقويم الامتحانات الرسمية، بغية تطويرها لتتلاءم مع هذا الجيل المعتمد على التكنولوجيا والفكر النقدي.
إنه واقع مؤسف جدّا هذا الذي وصلنا إليه. فكما هي الحال في أيّة حالة نزاع فقد كل فريق الثقة بالفريق الآخر واخذ يرى فيه ما هو أشبه بعدو، وصارت جهود كل منهما منصبّة على الحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق والاستئثار بالنصر في معركة ضحاياها أجيال المستقبل، أبناؤنا، مواطنو الغد.
إننا نتوجه بدعوة، مدركين أننا لا نقف على الحياد بحكم عضويتنا في اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، دعوة الى بذل المجهود لفتح قنوات حوار جديدة انطلاقًا من المؤتمر الـ 19 للمدارس الكاثوليكية حتى نصل إلى ما يعرف في علم حلّ النزاعات بالـ win-win solution، أي الحلّ المُرضي للطرفين. إنها خطوة أساسية كي نضمن، خلال العام الدراسي الذي يبدأ خلال أيام معدودة، تحقيق مشروع تفعيل شرعة القيم التي يطلقها المؤتمر بعنوان “التلميذ الضامن” في المدارس الكاثوليكية وربّما في المدارس الخاصة الأخرى أيضًا.
لقد قامت الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية بالخطوة الأساسية الأولى، إذ وجّهت الدعوة لنقيب المعلّمين إلى حضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر (وما الضرر من توجيه الدعوة إلى جميع أعضاء النقابة؟). ونأمل من النقابة أن تتيح للنقيب مبادلة المبادرة الإيجابية بمبادرة إيجابية أخرى، أي حضور الجلسة. في هذه الحالة تتسنَّى دعوة النقيب إلى فتح قنوات الحوار مع اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة من جديد لرفع سيف الإضرابات والتهديدات المُصلَت على العام الدراسي المقبل بما يسمح للأساتذة بإعطاء أفضل ما لديهم، كي يُمسي أولادنا وتلامذتنا فعلاً ضامني القيم. فالنشاطات التي يتطلبها تحقيق الشرعة وتدريب التلميذ كي يكون شريكًا في الثبات في تطبيق القيم يحتاج إلى جَوٍّ يُتيح للأستاذ والإدارة فعلاً التصرّف كضباط إيقاع، الأمر الذي يتعذَّر في جَوِّ التوتر وجوِّ عدم الثقة السائدَين في أيامنا.
فلنغتنم جميعًا مناسبة المؤتمر الـ19 للمدارس الكاثوليكية لنؤسس لعام دراسي يُلامِس المثالية، أي عام دراسي يتمتع بجو من الأُلفة والمحبة والتآخي والتقدُّم التربوي. وبذلك نتمكن من الشروع في إعادة إحياء و/أو زرع القيم التي نريد أن تتمتع بها الأجيال القادمة، ولا سيما القيم الروحية والأخلاقية والمواطنية. هذه مبادرة يجب ألا نتردّد في القيام بها ولا لحظة. ألسنا نحن التربويِّين والمفكرين قادرين على الإبداع وصنع الفرق وبناء مستقبل أفضل للأجيال؟ فماذا ننتظر لنقتنص هذه الفرصة لتهدئة النفوس والتفكير بعقلانية علمية، لتحقيق المصالحة الفعلية المجدية التي تقوم على أساس الثقة والاحترام المتبادلَين والتي تسمح للجميع بأداء دورهم على أفضل وجه؟