كتب محمد وهبة في صحيفة "الأخبار":
لبنان كتلة اسمنتية ضخمة، فهل يضاف إليها كتل جديدة؟ (مروان طحطح)"طابق المرّ" يعود بحلّة ميقاتية. إنه "طابق ميقاتي". ففي جلسة مجلس الوزراء المقرّرة غداً، سيعرض رئيس المجلس نجيب ميقاتي دراسة عن سلسلة إجراءات لتمويل كلفة سلسلة الرتب والرواتب. أبرز هذه الإجراءات: زيادة عامل الاستثمار بمعدل 10%، ما يتيح تشييد مساحة إضافية فوق المباني المشيّدة. ميقاتي جدّي في هذا الطرح الذي "يزيد الكثافة السكانية ويشوّه المدينة" وفق توصيف النقيب السابق للمهندسين عاصم سلام.
تعكف دوائر رئاسة الحكومة على وضع اللمسات الأخيرة على اقتراح سيعرضه رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، في جلسة مجلس الوزراء المقرّرة غداً، لتمويل كلفة مشروع سلسلة الرتب والرواتب، عبر زيادة عوامل الاستثمار على المباني القائمة والمرخّصة بمعدل 10% من الاستثمار العام. "طابق ميقاتي" يأتي بعد "طابق (روبير) غانم" المقترح، وبعد "طابق المرّ" الذي عاث فساداً في المباني القائمة.
الضرورات والمحظورات
يوضح وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس لـ"الأخبار" أن المشروع المقترح لتمويل كلفة سلسلة الرتب والرواتب يشبه إلى حدّ بعيد بيع قطعة أرض في الهواء. فالناس ستشتري هذه الأرض وترخّصها لتشييد بناء عليها، "وإذا كان هناك إقبال من الجميع على هذا الأمر فسنجمع ملياري دولار، وهو ما يكفي لسلسلة الرتب والرواتب ويفيض".
لكن نحاس يرى أن الأمر "متروك للدرس في مجلس الوزراء، فهناك آلية وشروط واضحة للمشروع الذي أعدّته رئاسة الحكومة". ومن أبرز "الضوابط" لمشروع ميقاتي الرامي إلى زيادة عوامل الاستثمار، بحسب نحاس، ألا يشوّه البيئة، وألا يتعدّى على الاستثمار العام… "وهو جزء من المشروع الأوسع الذي يجب علينا دراسة انعكاسه على السياسة النقدية على التضخم وعلى الاقتصاد بصورة عامة".
يرفض نحاس الحديث عن الصدى الذي سيحدثه المشروع بين الوزراء، لكنه يستعد لكل الاحتمالات. فإذا فرضت عليه المواجهة حول السياسات الاقتصادية، عليه أن يكون جاهزاً، ما يحتّم أن تكون لديه ورقة متكاملة عن الوضع المالي والنقدي والاقتصاد عموماً، "إلا أن مسار الأمور يحدّد حجم الاستعانة بهذه الورقة التي باتت جاهزة".
أداة تمويل
لا شكّ في أن مجموع هذه الأسئلة يفتح الكثير للنقاش. لكن نقيب المهندسين السابق، عاصم سلام، يرفض الموضوع بصورة جذرية. وهو يعلّق على هذا الأمر بالقول: "معقولة هذه الشر… في الدولة اللبنانية؟". في رأي سلام، التنظيم المدني ليس أداة لزيادة واردات الدولة، وبالتالي "لا يجوز اللعب بعوامل الاستثمار لإيجاد إيرادات تغذّي الخزينة العامة عبر خلق التشوّهات، فيما يمكن تحصيل أموال كثيرة للدولة من مخالفات البناء والأملاك العامة البحرية… عوامل الاستثمار ليست أداة لتمويل مغارة علي بابا".
وأكثر ما يثير استياء سلام أن الاقتراح ليس الأول من نوعه. "هذه ثالث جريمة ترتكب بحق لبنان. فمنذ سنوات زادوا عوامل الاستثمار في ما عُرف يومها بطابق المرّ، ثم زادوا عوامل الاستثمار عام 2004 عندما أقروا قانون البناء المتضمن زيادة بنسبة 30% تقريباً… وها هم اليوم يقومون بالجريمة نفسها التي نحذّر منها منذ عقود".
ويجزم سلام بأن زيادة عوامل الاستثمار تؤدي إلى زيادة الكثافة السكانية في البلد وتشوّهه، رغم أن الكثافة السكانية مرتفعة في المدن اللبنانية بما يفوق قدرة البنية التحتية على الاستيعاب. لكن ما يحصل فعلياً أن "هذه الكثافة جاءت بفعل الضغوط التي يمارسها أصحاب العقارات بهدف زيادة أسعار عقاراتهم".
رشوة انتخابية؟
ويصف مهندسون متابعون مشروع ميقاتي بأنه "رشوة انتخابية". ويؤكد رئيس رابطة المهندسين الإنشائيين في نقابة المهندسين توفيق سنان أن هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها عند طرح مشروع كهذا؛ فهل البنية التحتية في لبنان قادرة على استيعاب مثل هذه الزيادة السكانية التي تحدث زيادة في الطلب على استهلاك الموارد؟ وهل ستتمكن الدولة من تلافي التشوّه البيئي الذي يمكن أن يترتّب على إقرار مثل هذا المشروع؟ وإلى أي مدى ستكون السلامة العامة هي المعيار الأساسي لمنح التراخيص، أم أننا سنشهد اختراقات واسعة تؤدي إلى سقوط المباني غير المؤهلة لاستقبال طابق جديد، ولا سيما أنه أضيف إلى كثير من المباني طابق المرّ في السنوات السابقة؟ ومن سيحصل على الطابق الجديد في المباني القديمة المبيعة كلها؟ وهل هناك جهة صالحة في لبنان، لديها القدرات والموارد البشرية اللازمة للإشراف على حسن تنفيذ هذا المشروع، ومن هي؟
الخطوط الحمراء
ليس هناك أي منطق لزيادة الكثافة السكانية في لبنان، فبحسب رأي سلام، "لقد تخطينا الحدود الحمراء منذ عام 1954، وما يطرح حالياً من طوابق إضافية تشيّد بفعل زيادة عوامل الاستثمار ستزيد الكثافة السكانية بنفس نسبة الزيادة، وهذه أكبر جريمة بحق لبنان، لذلك نأمل أن لا يقرّ المشروع".
وعلى أي حال، فإن الكثافة السكانية ترتب تحسين الطرقات لاستيعاب الضغط الإضافي عليها، وزيادة حجم التغذية بالتيار الكهربائي، وتوسيع قدرة شبكات الصرف الصحي على الاستيعاب، فضلاً عن ضرورة إيجاد مساحات حرّة وخضراء، بالإضافة إلى ضرورة إنشاء مدارس ومستشفيات وسواها.
يذكر أن اقتراح "طابق ميقاتي"، ليس الأول من نوعه، فقد سبقه في السبعينيات "طابق المرّ". يومها عُزي إقراره إلى مصالح خاصة وانتخابية لوزير الإسكان آنذاك ميشال المرّ. وقد أدّى المشروع إلى تشويه التجمعات السكانية وشرّع المخالفات وألغى كل القواعد التشريعية في هذا المجال.
وفي نهاية تشرين الأول 2011، قدّم رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية روبير غانم اقتراحاً مماثلاً، لكنه جوبه باعتراضات واسعة من وزارة الداخلية والبلديات ونقابتي المهندسين في بيروت والشمال. يومها، لفتت الوزارة إلى أن المادة الأولى من اقتراح غانم تشجع من دون أي مبرّر على مخالفة القوانين السارية المفعول، فيما المادة الثانية لا تتفق مع المرسوم الاشتراعي 83/70 لجهة إجراء تقسيم جديد للأحياء القديمة بغية تجميلها وتوفير الأسباب الصحية فيها.
1 مليار دولار
الكلفة الإضافية التي ستترتّب على تطبيق سلسلة الرتب والرواتب المقترحة وفقاً لتقديرات وزارة المال. وكانت الوزارة قد أشارت إلى مجموعة من الإجراءات الممكنة لتأمين هذا المبلغ من الرسوم الخاصة على السيارات الفخمة، وصولاً إلى تكليف أصحاب المولدات الخاصة!
الإيرادات من المحتلّ!
لم يتوقف النقيب السابق عاصم سلام (الصورة) عن مواجهة المظاهر الشاذة في المجتمع. لم يكن مناصراً لمشروع على أساس تقويم سياسي، أو على أساس فئويات مذهبية. كثيرون يعتقدون أن مواقف سلام في نقابة المهندسين كانت مناوئة للتيار السياسي الذي يحسب عليه. ما يقترحه سلام اليوم بأن تجبي الدولة من الأملاك البحرية لتحقق إيرادات هي تحتاج إليها، هو ملف متروك بقرار سياسي جماعي. فليس هناك من هؤلاء الذين احتلوا الأملاك البحرية من يريد أن يدفع رسماً عن احتلاله. الأمر برسم الرئيس نجيب ميقاتي، الذي يبحث عن التمويل لسلسلة الرتب والرواتب!