كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":
منذ إنشاء المحكمة الدولية، لم يوفَّق فريق 14 آذار بضربة كتلك التي يعمل اليوم لتسديدها: نشْرُ «اليونيفيل» على الحدود مع سوريا. إنّها، إذا تحقّقت، تختصر الملفّات والمسافات، وتقطع طريق الشام… على الفتنة!
دمشق، الغارقة في ملف الوزير السابق ميشال سماحة، تستعدُّ لمواجهةٍ أخطر. لذلك، لن تهتمّ كثيراً بمطلب طرد السفير السوري أو تعليق العمل بالاتفاقات الأمنية. الأهمّ هو إحباط نشر "اليونيفيل" سريعاً، قبل أن يوقعها في مطبٍّ يصعب الخروج منه، هي وفريقها العامل في لبنان.
فلتان الحدود اللبنانية – السورية هو الرئة التي تتنفّس منها دمشق وحلفاؤها. وأساساً، لم يَعْبُر سماحة بسيارته آمناً، وفي صندوقها 24 عبوة متفجّرة، إلّا بفضل هذا الفلتان أو التواطؤ، أو التجاهل في أفضل الأحوال. فلو كانت القوّات الدولية، المدعَّمة بعديد وعتاد مميّزين منذ العام 2006، مسؤولة عن الحدود مع سوريا، لما تَيسَّر مرور سماحة والعشرات من رفاقه، بل المئات، لتنفيذ مخططات مماثلة، وأحياناً تحت عناوين الإرهاب الأصولي. ويكفي أن يتولّى فريق 14 آذار رفع لواء المطالبة بنشر "اليونيفيل" شمالاً، ليثْبِت براءته من الاتهامات التي ترميه بها دمشق، والتي تتحدّث عن دعم من 14 آذار لتسلُّل الرجال والسلاح من لبنان إلى الداخل السوري.
ولو كانت القوات الدولية شمالاً وبقاعاً لَما كان السلاح يتدفّق على أرفع المستويات من سوريا إلى لبنان، حيث يتمّ التعالي به على الدولة وفرض الإرادة على الآخرين. والأهمّ، لو كانت القوّات الدولية موجودة، لكانت الذريعة مفقودة من أيدي دمشق: لا هي قادرة على استثمار عنوان دخول العناصر والسلاح من لبنان إلى سوريا، ولا على خرق الحدود بذريعة عدم وضوحها جغرافياً.
وعلى الأرجح، كان سينشأ "خط أزرق" على الحدود مع سوريا، يضبطها في انتظار الترسيم الكامل، أو كان سيتيسَّر ترسيم الحدود في ظلّ الأمن الدولي المكفول… بدءاً من مزارع شبعا.
البنود 11 و12 و14
أزمة دمشق تكمن في القرار 1701 نفسه. فالمواجهة معه صعبة لأنّه يتضمّن آلية لا تقبل الالتباس لإمكان نشر القوات الدولية في مناطق حدودية أخرى، إضافة إلى الجنوب. ولا يحتاج نشر هذه القوات إلى قرار دولي جديد، بل إلى مجرّد طلب تتقدّم به الحكومة اللبنانية. ففي هذا المعنى، يكون نشر القوات الدولية على الحدود مع سوريا مجرّد مسألة إجرائية من داخل القرار 1701.
جاء في البند 11: (…) تتولّى القوّة، إضافة إلى تنفيذ ولايتها بموجب القرارين 425 و426 (1978)، (…) مساعدة حكومة لبنان، بناء على طلبها، في تنفيذ أحكام الفقرة 14؛
وينصّ البند 12 على الآتي: إذ يَعمل (مجلس الأمن) لدعم طلب حكومة لبنان بنشر قوّة دولية لمساعدتها في ممارسة سلطتها في جميع أنحاء أراضيه، يأذن لقوّة الأمم المتحدة الموَقّتة في لبنان اتّخاذَ كلّ ما يلزم من إجراءات في مناطق نشر قواتها، وكما ترتئي، في حدود قدراتها (…) لحماية المدنيين المعرّضين لتهديد وشيك بالعنف البدني، من دون المساس بمسؤولية حكومة لبنان؛
وأمّا البند 14 فيوضح في شكل لا لبس فيه إمكان الإفادة من "اليونيفيل" في مناطق ومهمّات أخرى، إذ ينصّ على الآتي: يطالب (مجلس الأمن) حكومة لبنان بتأمين حدوده وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة، أو ما يتّصل بها من عتاد إلى لبنان من دون موافقتها، ويطلب إلى قوّة الأمم المتّحدة الموَقّتة في لبنان وفق ما أذنت به الفقرة 11 مساعدة حكومة لبنان بناءً على طلبها؛
وفي هذا البند ما هو أكبر من مجرّد إعطاء الإذن لـ"اليونيفيل". إنّه يدعوها إلى التحرّك ويمنحها التغطية الدولية الكاملة، ويجعل التدخّل "لمنع دخول الأسلحة" واجباً يجدر التجاوب معه على صعيد الحكومة اللبنانية ومجلس الأمن.
وهكذا سيكون أمام دمشق استحقاق صعب دوليّاً، إذا مضى فريق 14 آذار في الضغط نحو هذا الاتّجاه، ومعه النائب وليد جنبلاط الذي يعقد لقاءه الأوّل مع الرئيس سعد الحريري منذ العام 2011، ووسط الاتصالات الرفيعة التي باشرها فريق 14 آذار عربيّاً ودوليّاً، وأبرزها لقاء الحريري مع لوران فابيوس، وزير خارجية فرنسا، القوّة الأبرز في "اليونيفيل" المدعّمة.
وسيكون الرئيس نجيب ميقاتي على محكّ القبول بإجراء يمنع استمرار الفلتان على الحدود، خصوصاً
بعد التطوّرات التي يفرزها سواء في ملف سماحة أو في مخاطر اندلاع الفتنة انطلاقاً من الحدود. فهل كان الاحتجاج الذي قدّمه ميقاتي، عبر السفير اللبناني، مقدّمة لتبرير خطوة أكبر، كالمطالبة بنشر القوات الدولية شمالاً، أم إنّه على عكس ذلك، يهدف إلى تنفيس أيّ محاولة قبل الوصول إلى خطوة جدّية من هذا النوع؟
أياً تكن الصورة، فمع المحكمة الدولية، وضبط سماحة بـ"الجرم المشهود"، وبدايات التحوُّل في بعض مواقع الحكم، هناك عناصر اطمئنان تحيط بالوضع اللبناني. وإذا تمّ نشر "اليونيفيل" شمالاً، فسيصبح ممكناً الارتياح إلى أنّ المخاوف التي عبّرت عنها مرجعيات دولية من انتقال الفتنة من سوريا إلى لبنان تقلّصت إلى الحدّ الأدنى. فطريق الشام هي وحدها اليوم بوّابة الفتنة. وإذا نجح المجتمع الدولي في قطع هذه الطريق، فستبقى الفتنة في معقلها ويكون لبنان في منأى عن الخطر.