#dfp #adsense

“فرقع فرقع، يا بوشار!”

حجم الخط

 من الأمور التي كانت مرتبطة بأعياد اللبنانيين، صندوق مستطيل مزخرف، في أحد وجوهه ثقوب مستديرة تتسع لدائرة العين، وفي داخله دولاب تدور عليه صورٌ متى مرّت كلها إنتهت الفرجة! وكان صاحب الصّندوق يُنادي: "تعا تفرّج، يا سلام، شوف الدّني بالتمام. شوف قدّامك عجايب. شوف قدّامك غرايب". الرّسوم التي كانت تتتالى في الصّندوق، كان الطفل المحملق بها من خلال البلورة، يرى فيها نفسه يقود زورقاً أو طائرة، يُصارع أًسداً، أو يمتطي فيلاً. و"الصّندقجيّة" المتجوّلون كانوا يتناقلون المهنة وأصولها وأسرارها جيلاً بعد جيل، فيُتقنون تركيب الأفلام، وتدويرها، والتعليق عليها، وحفظ الأهازيج والقصائد المرافقة لصنعتهم.

اليوم، تحوّل صندوق الفرجة في لبنان إلى صناديق، شاشات مستطيلة تجذبنا صبحاً ومساءً "لنتفرّج، يا سلام، ونشوف حالتنا بالتمام"، حاملة إلى العيون المحملقة فيها "الغرايب والعجائب". مثلاً، على الشاطىءالشمالي، "تتغندر" غوّاصات نوويّة بين اللقز والسّلطان ابرهيم، وتزمجر فوقها الطائرات الحربيّة تصطاد أسماكها التائهة في بحر الدّماء. ومن دون سابق إنذار، تكرّ أمامنا حروب شوارع يركض فيها مسلحون عاقدون العزم على اصطياد الأسد، وفي المقابل، نشاهد بيئة حاضنة تُهيّىء لعودة الفيل إلى وطن من السّيراميك. ويُطلّ من الصّندوقة أيضا وزير مرموق، حمل من الشام هديّة العيد، برازق متفجّرة لشعب يحاول التأقلم مع اللافتات المستحدثة لمنع التدخين، وهو يتنشق مداخن الزوق وسيّارات المازوت، ودخان آلاف الدّواليب التي تسدّ طرقه، وتحوّل مسار الطيران المدني عن بلد المسك واللبان، فيما يتباهى وزير السّياحة بإطلاق حملة ترويجيّة للبنان… وبلدنا يتحضر لضيافة من نوع آخر، ردّاً على ضيافة هي أيضاً " من نوع آخر". هذا في حين تعلو بلاغة وزير الأشغال المنشغل بافتتاح جسر للمشاة شحدناه من اليونان، الشحّاذ الأوروبّي الأكبر، ليُساعد الشعب على القفز فوق دواليب الإحتجاج. ونشاهد صوراً للحىً تتدفّق وتطول إستعداداً لقبلات وزير الداخليّة… وتحتلّ عشرات التوكشوات صناديق الفرجة، تصف، وتحلل، و"تفصفص" أم حال البلد الذي تعطل فيه كلّ شيء إلا لغة الكلام. وإن هذا إلاّ نبذة عمّا يتحمّله النخاع اللبناني كلما دار صندوق فرجته.

صندوق الفرجة القديم كان يدور حوله باعة الترمس، والنعّومة، والسمسميّة، والكرابيج، والكعك والبوشار. لكن صناديقنا اليوم، تنقصها فرحة الأعياد، وكلنا أمل ألا "يمودر" الترمس، و"تحنحن" النعّومة، و"تشلغن" السمسميّة، و" يفسد" الكرابيج، ويتحوّل الكعك برازق شاميّة من النوع "السّماحي" … وساعتها "فرقع فرقع، يا بوشار!".

المصدر:
النهار

خبر عاجل