#dfp #adsense

من يوحنّا بولس الثّاني إلى بندكتوس السادس عشر

حجم الخط

من العام 1997 إلى العام 2012، زيارتان مهمّتان في تاريخ لبنان، الأولى أتت لتكسر حاجز الخوف من نظام أمني مخابراتيّ نكّل واعتقل وقتل من قتل، وما كُسر الا بعد مرور سنوات ثلاث حين صدر نداء بكركي في أيلول من العام 2000 ذلك التّاريخ الذي سيُحفر في ذاكرة كلّ من أخلص لهذا الوطن.

أمّا الزّيارة الثّانية فتأتي والنّظام الذي فظّع في زمن الوافد الأوّل تحوّل ولم يعد فولاذيّا، فيسألون اليوم لماذا زيارة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر في ظلّ هكذا ظروف؟

على قدر أهمّيّة هذه الزّيارة بالنّسبة إلى كلّ اللبنانيين إلا انّها زيارة مشرقيّة بامتياز، فهي تأتي اليوم لتثبيت المسيحيّين في العالم المشرقي الجديد بعد سلسلة التّحوّلات التي يشهدها هذا العالم على أثر الثّورات التّغييريّة والإصلاحيّة الحقيقيّة التي تقوم بها هذه الدّول، ليس على غرار من يدّعي إصلاحا وتغييرا وينهب المال العام بصفقات مشبوهة باتت جليّة كالشّمس التّمّوزيّة، فضلا عن أنّ معقل مسيحيّ الشرق لبنان وسوريا هو بأمسّ الحاجة لوضع البصمات النّهائيّة والدّمغة الأخيرة على الوجود المسيحي الحرّ وليس على حضور مسيحيّ كان في كنف نظام مخابراتيّ إرهابي يدّعي حماية الأقلّيات في الظّاهر ويثبّت حقيقة تاريخيّة رفضها مسيحيّو هذه المنطقة، عندما رفضوا العيش كأهل ذمّة أو حتّى الرّحيل أو الخضوع للدّين الجديد، واختاروا خيار المقاومة الذي ثبّتهم في هذه الأرض ونزع عنهم كلّ الصّفات التي حاولوا ويحاولون وسيحاولون دائماً إلصاقها بهم.

نعم إنّ زيارة الحبر الأعظم للبنان تندرج في هذا السّياق، لا بل أبعد من ذلك، فهو يأتي ليسلّط الضّوء على دور المسيحيّين في ظلّ هذا الحراك المشرقي الذي لم تشهد له مثيلا هذه المنطقة منذ أزمنة غابرة. والأكثر ليثبّت الدّور المسيحيّ في تكوين المجتمعات التّعدّديّة ولنقض فكرة المجتمعات العنصريّة التي تعتبر إسرائيل وحزب الله محاربها، الأوائل، لا بل الرّواد في تزكيتها. وكلّ ذلك لتكملة دور سلفه قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني.

مع العلم بأنّ دوائر الفاتيكان كانت تلقّت عدّة نصائح بإلغاء هذه الزّيارة إلا أنّ قداسته أصرّ عليها لما لها من أهميّة أشرنا إليها في معرض حديثنا. أمّا اليوم فيضع الحبر الأعظم بصمة نأمل أن تكون الأخيرة في سجلّ المسيحيّين المشرقيين إن من ناحية تثبيتهم وتجذّرهم في هذه الأرض وإن من ناحية الدّور الوجودي الذي أناطهم به التّاريخ، والكياني الذي جعل منهم الرّكيزة الأولى في وطن أنموذج الأوطان التّعدّديّة، لبنان الذي أصبح رسالة.

للمصطادين في الماء العكر نقول إنّ قداسة الحبر الأعظم أكبر من أن يلغي زيارة بسببها أعاد النّظام المتهاوي ترتيب أولويّات سقوطه، فراح يشعل لبنان انطلاقا من البؤر الخصبة التي زرعها في زمن وصايته البغيض. فشكّلت طرابلس مسرحاً لحوادث جرّها إليها بغرض نسف هذه الزّيارة لإسقاط أهدافها الماورائيّة.

واليوم "القوّات اللبنانيّة" كلّها فخر واعتزاز بأنّ الأهداف النّبيلة التي ضحّت لأجلها وقدّمت قرابين من شهداء ومصابي حرب سنحتفل بذكرى استشهادهم هذه السّنة بغضّ النّظر عن كلّ المعوقات، تتلاقى هذه الأهداف مع أهداف رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم.

لأجل كلّ هذه الأهداف نقول لقداسة البابا بندكتوس السادس عشر: "ناطرينك".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل