#dfp #adsense

مع ام كريم تحت العريشة… (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

أعجبني الجنرال في آخر اطلالاته "الفنية". أرضى الجمهور العريض من كل الاطياف، الموالي والمعارض. لا تستغربوا، أضحكنا، في عزّ وغمرة الاخبار السوداء المنغصّة علينا طيب العيش كالعادة، جعلنا نبتسم. هو طريف. يجتمع الى كتلته النيابية، يتمتم هؤلاء كلاما غير مفهوم ولا معنى له بحضوره، يتصوّرون أمام الكاميرا لنقول انهم اجتمعوا و"قرروا"… واضح كم يقررون بحضور مدرّسهم القاسي الطباع… ثم يخرج "جنرال غضب"، عاقد الحاجبين كالعادة وعلى الجبين اللجين، وتبدأ المسرحية…

يضبوا حالن، يفلوا عنا بئا، يحصلوا شنتانن، يسكتوا أحسنلن… خطاب سياسي عالي المقام يستحق حقيقة أن يُدرّس في الجامعات، كنموذج خطابي فريد لناحية التعابير والتعبير عن السخط وعن الخصومة السياسية…ولا أدري لماذا هو دائما غاضب!!

في آخر اطلالاته بعد اجتماع المحنّطين في كتلة متحف الرابية، مزمزت صوت حسّون التصدي والصمود، على كأس وعرنوس وعنقود عنب "بزّ العنزة" من عريشة الدار، وراحت بي الذاكرة الى غير مكان. ذكّرني بجلسات النساء عندنا على الفيرندا بالضيعة.

واحدة من أحلى لحظات الطفولة، عندما كانت امي تدعو صديقاتها الى ترويقة من حواضر الصاج، فتجلس النسوة تحت العريشة، وتنفلش معهن كل أخبار الضيعة التي تقع مباشرة تحت مقصلة الالسنة "الدافئة"، من العوانس الى الارامل الى المتزوجات، "والحكي تحت صرمايتكن أكيد"، طلب لا بد منه بين الخبرية والخبرية!

من بين المدعوات سيدة كانت امي تدعوها أحيانا، ولم تكن صديقتها، اذ كانت تتجنبها ولكن لا يمكن أن تخلو جلسة نسائية من دون حضورها، ولا تحلو الخبريات من دون "ام كريم". كانت مهضومة وتلقي النكات يمينا وشمالا، فتنبطح النساء من الضحك وتبقى هي جامدة بالكاد تبتسم. كانت تملك الاسلوب. كانت سخيّة بالاخبار وممسكة بأسرار الضيعة من رأس العين حتى آخر نبعة في السهل الواسع.

"ام كريم" كانت حانقة غاضبة دائما وأبدا من الجميع وعلى الكل. لا شيء يرضيها، لا تحب أحدا ولا تثق بأحد حتى بأولادها، كانت تملك فضيلة واحدة غريبة عن طباعها، كانت مشهورة بكرمها وضيافتها، وأيضا بطرافتها غير الاعتيادية، لكن لسانها مصيبة. والاهم من كل ذلك، اذا اردت اطلاق شائعة استعن بأم كريم، دقائق وتصبح الشائعة حقيقة تدور من زاروب الى آخر. باختصار كانت ممتعة في الصبحيات، والتمتع بـ "اللقلقة" بالتعبير الشعبي، لكن لا يمكن، لا يمكن أن تؤتمن على سر أو حتى الدخول معها بقضايا جدية، وكانت أمي تقف عندها عند تلك الحدود.

عون يذكّرني بام كريم، "يلقلق" الكلام، من كل واد يحمل عصا، ويلوّح بها لمن عصا، وهو بالكاد قادر على حملها! غضوب دائما، مستنفر في كل الاوقات، يلقي الاخبار والاخبار من دون ادلة او حتى شهود، مهدد متوعّد، يلعن يشتم يؤنّب، يرفع الصوت والاصبع والحواجب والكم شعرة المسكينة المرصوصة بالقوة، بقدرة الجيل الى رأسه، يفتح القبور، يشم رائحة الموتى ثم يتغنّى بالزهور، "زهور" المقاومة. يتكلّم بالكرامة والوطنية ومكافحة الفساد، ويدافع عن بشار الاسد ويرد الضربات عن ميشال سماحه، وعندما تزركه الوقائع والحقائق، يشن الهجوم المضاد على سمير جعجع وفي الاخر "يسنكفه"، كما كنا نفعل عندما كنا اطفالا ونزعل من بعضنا فنعلن "خلص بطّلت إلعب معك"!

هو بطَل من زمان، وما عاد بذاك البطل، أيضا من زمان، فـ"ام كريم" الرابية، طريف ومسل وهذا امر نادر بين السياسيين، قريب بعض الشيء الى وئام وهاب في بعض الطرافة، أقرب الى ناصر قنديل في بث الاشاعات، متأثر بجميل السيد حين يهدد. هو مجموعة أشخاص في شخص واحد، أخذ من كل عيّنة رشة صغيرة لتضيف الى شخصه تلك النكهة، ولتجعل منه حكواتي الرابية، كريم في الكلام والصراخ والاتهامات، وان أثبت حتى الآن انه من أشد بخلاء الجاحظ بخلا وشحّا، لناحية المصداقية والرصانة والرزانة والوطنية الحقّة… ومع ذلك يضحكني حين يقطّب الحاجبين ويدخل في جدّ الجدّ في المهرجان بحضور المحنّطين…أم كريم استسلمت لـ"ابو كريم" الرابية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل