كتبت ريتا شرارة في "المستقبل":
لن يكون الاجتماع الذي تعقده لجنة المال والموازنة الاثنين المقبل برئاسة النائب ابراهيم كنعان في مجلس النواب لمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2012. فهي خصصته، حصراً، للاستماع الى وزير المال محمد الصفدي عن "السياسة المالية العامة في إطار" هذه الموازنة، وان كانت تأخرت احالتها اشهراً طويلة مما جعلها تسير بموازاة الدستور لا من ضمنه.
في أي حال، ستشكل الجلسة التي كانت مقررة اليوم وأرجئت لانشغال الصفدي بأعمال جلسة مجلس الوزراء، المدماك الاول ليس لموازنة ولدت ميتة، انما لانطلاقة "جدية" لمعارضة برلمانية تبين بوضوح ان حكومة 8 آذار "تدير تفليسة كبيرة وتهرب الى الامام بقرار من النظام السوري الذي يطيل حياتها من مال الدولة والمكلف اللبناني"، بحسب ما قال نائب من 14 آذار لـ"المستقبل".
وعليه، سيحضر نواب المعارضة جلسة الاثنين على خلفية سماعهم وزير المال يقول انه "يحاول" ان يؤمن للبنانيين حاجاتهم المختلفة في ضوء الواردات المتوافرة ووضع المالية العامة. وسيأخذ من المشروع "بعضاً" من امل يؤكد بموجبه انه يحضر موازنة العام 2013 على اساس انه سيقدمها في 10 تشرين الاول المقبل، اي في المهلة المحددة في الدستور. ويتوقع نواب 14 آذار ان يسمعوا من الصفدي قوله انه "حافظ" على سقف العجز والواردات من دون ان يعد بالسير في سلسلة الرتب والرواتب بكلفة ملياري ليرة. وبحسب احد هؤلاء، فان المعارضة تتحضر "سلفاً" لتجيب الصفدي انه يعمل "في الحد الادنى والضيق من ضمن الدستور"، وانها "ترتقب كيفية" محافظته على سقف العجز، وانها تتأهب لتؤكد له ان المحافظة على الواردات تحققت بفعل قفل طريق المطار، والخطف واخافة المستثمرين وان النفقات لا يمكن ان تتحقق "بفعل نسف التنظيم المدني". وستؤكد المعارضة لوزير المال الذي طال انتظاره في اللجنة انه لتحقيق هذه الغايات "يبيع الاصول التي لا يمكن بيعها اطلاقاً". وبازاء ذلك كله، لن يغيب عن نواب 14 آذار ان مجلس الوزراء بدأ عهده في ادارة ازمة وقد تحول اليوم الى "ادارة تفليسة" الدولة.
ولكن، في المقابل، هل يتوقع هؤلاء النواب ان تكون ادارة جلسات لجنة المال والموازنة على جاري العادة، بمعنى ان يحمّل رئيسها المسؤوليات، يمنة ويسرة، للعهود السابقة؟
لا يرون ان ثمة احتمالاً لذلك على اساس ان من مصلحة كنعان اليوم ان يقوم بـ"الدعاية" (Marketing) اللازمة لتعويم الوزراء العشرة لتكتل "التغيير والاصلاح" في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
"حكومة المصالح الايرانية"
بازاء ذلك، تدخل "المستقبل"، عشية اولى جلسات لجنة المال والموازنة، الى بعض من حنايا مشروع الصفدي في محاولة لاستقراء بعض من دلالاته مع مقرر اللجنة النائب فادي الهبر، الذي يقول: "عبثاً تحاول وزارة المال ايجاد توازن بين الانفاق، والواردات وسقف العجز". ففي ضوء فذلكة المشروع، يرى ان مجلس الوزراء "يتطور سلبياً من ادارة أزمة البلاد اقتصادياً، ومالياً ونقدياً الى ادارة في اتجاه ادارة التفليسة المتوقعة في بداية تشرين الاول".
ولم يقل النائب الكتائبي كلمته لاثارة الخوف، انما انطلق من مؤشرات يعتبر انها اساسية تدلل على التخبط والتراجع الكارثي للاسواق بنسب تصل الى 80 في المئة "بوجود مجلس الوزراء الذي شكل في عهده موانع ضد السياحة الخليجية، وقدوم الخليجيين المصطافين والمستثمرين واللبنانيين المستثمرين العاملين في الخليج والاغتراب. فتهريب المستثمرين والقادمين الى لبنان وتخويفهم كانا القاعدة الذهب لوضع الحكومة امام الحائط المسدود". من هنا، يقرأ ان عنوان المرحلة المقبلة هو "الهروب الى الامام وتغطية الثقوب الاقتصادية بعمليات اصطناعية لا تجعل من لبنان قبلة المستثمرين مما يؤثر في أهم البنى التحتية للاقتصاد. وهذا ما نلاحظه في تراجع النمو والعبثية التي يتعاطى فيها المسيطرون على هذه الحكومة التي تدار من النظام السوري والمصالح الايرانية".
عبثيات
ويلج الى مشروع الموازنة للعام 2012 وهي "في معظمها تعهدات" وردت في البيان الوزاري للحكومة التي "عبثاً تريد تحفيز النمو ولا تقدر على ذلك. عبثاً تريد تأمين الاستقرار وتطوير البنى التحتية للاقتصاد والتقديمات الروتينية في الصحة والتعليم. وعبثاً تحاول العودة الى أصول الانفاق بما يمليه عليها الدستور والاصول المتبعة وحسن ادارة المال العام ومبدأ الشفافية المرتبط بالحسابات المتعثرة منذ العام 1990 والتي وعدت وزارة المال وعداً قاطعاً باتمامها وتسليمها في ايلول الجاري. ذلك كله يحصل في ضوء خسارة المؤسسات الداعمة والمانحة والمقرضة للبنان مما يؤدي الى تعثر اضافي في تعزيز الدورة الاقتصادية المرجوة فيه".
فمشروع موازنة العام 2012 يتمنى نظرياً، وعبثاً، تأمين أفضل مستويات نمو للاقتصاد المحلي في ظل هذا الحمل السياسي السلبي على كاهل هذه الحكومة. وعبثاً تحاول الاخيرة تقديم الخدمات التي طال انتظارها في البنى التحتية الضرورية للاستمثار ولا سيما في الموانئ، والاتصالات، والكهرباء والمياه. فالمطلوب هو السرعة والانتاج انما، عملياً، نلاحظ ارباكاً وعملاً سلحفاتياً".
انفاق انتخابي!
في تفنيد بعض من عناصر الموازنة، يبني الهبر كلامه على المؤشرات المكرواقتصادية، ويقول: "نرى ان واردات الموازنة هي بقيمة 14 ألفاً و373 مليار ليرة لبنانية منها 301 مليار ليرة لبنانية نتجت عن اجراءات ضريبية مقترحة جديدة في المشروع. وتالياً شكلت الواردات نسبة 22,36 في المئة من الناتج المحلي المقدر بقيمة 64 ألفاً و120 مليار ليرة لبنانية. ان هذه الارقام مقدرة وغير واقعية حقيقة، وننتظر تحقيقها في آخر العام 2012".
اما النفقات فهي مقدرة بزهاء 20 ألفاً و260 مليار ليرة منها 2146 مليار ليرة للانفاق الاستثماري "وربما للانتخابات النيابية المقبلة ولا سيما ان 3169 مليار ليرة اي اكثر من ملياري دولار خصصت لدعم مؤسسة كهرباء لبنان أي مؤسسة الفوضى العارمة".
ويشير الى اعتمادات اضافية بقيمة 1250 ملياراً وضعت في باب الاحتياط "مما يعني ان نسبة النفقات الاجمالية في مشروع 2012 هي 31,5 بالمئة من الناتج المحلي المقدر بـ64 ألفاً و120 مليار ليرة لبنانية".
اما العجز، فقدرت موازنة 2012 انه بقيمة 5 آلاف و370 مليار ليرة.
ولكن، ماذا يعني ان يكون هذا الرقم هو لعجز هذا العام؟ يؤكد الهبر ان "هذا كله مرده الى فقدان الامان الاقتصادي بوجود هذه الحكومة، وعدم الارتياح والصعوبة في تأمين الدين واعادة الدين من المصارف اللبنانية والجهات الخارجية المقرضة كما كان يحصل في السنوات السابقة". ويخلص الى أن "هذا كله يضعف الثقة بلبنان من جراء الحكومة الايرانية التابعة للنظام السوري".
ولا يستبعد الهبر، استنتاجاً، ان يكون العصيان المدني السلمي الوسيلة التي ستلجأ اليها 14 آذار مدعومة من القطاعات الاقتصادية والمعيشية على اختلافها، في سبيل ابعاد كأس مؤامرة الافلاس عن لبنان عبر تطيير حكومة ميقاتي والاتيان باخرى انقاذية.