#dfp #adsense

يعقوب شمعون ومعادلة عون

حجم الخط

بعد 27 سنة، أعاد يعقوب شمعون الى ذاكرته أنّ في هذه الدنيا شمساً وشيئاً إسمه حياة. فمنذ 27 سنة نسي يعقوب شهادة ميلاده، وفقد اتّصاله بالدنيا، وبدأ حكاية ألم وتيئيس أصبحت لباسه وفراشه وما تبقّى من نبضات قلبه. صار يعقوب أسير أرقام المقابر، حطام اختبار لنوعيّة فنون التعذيب، جسداً مختوماً عليه ببربريّة اختزلت كلّ ظلم الكون.

مذذاك، تغيّر في يعقوب فهمه للوجود، وراح يؤرّخ للمستقبل الذي لن تعتريه تجاهه أعراض  قلق، وأصبح تمنّيه الموت المادة اليتيمة لحصص ثوانيه المتأرجحة بين البقاء والعدم.

وبعد 27 سنة، انعطف التاريخ مع يعقوب، وأعيد دمج هامش حياته بمتنها، ولم يمضغه الشيطان. لكنّه لم يكن يتوقّع أن "الحمد لله على السّلامة " – والسّلامة هنا أعجوبة – ستتحوّل الى شكّ بالإنتماء واتّهام بالتّعامل مع عدو الأمّة. فقد قارب الجنرال الموهوب قضيّة الإفراج عن يعقوب شمعون بسليقة قنص الحقيقة. فهو، بمعيار عون، سوريّ وسريانيّ ومتعامل مع إسرائيل ومقاتل في صفوف الكتائب. لذا، كان من حقّ نظام الإبادة، لا بل من واجبه الوطني والقومي، أن يعتقل يعقوب ويزجّ به في زنزانة القهر لتتخّ عظامه أو تتخّ نفسه.

وكأنّي بالجنرال، في تصريحه النبوغيّ، يستغرب قرار إعتاق يعقوب، ويلقي بالّلوم على السلطة التي أفرجت عنه. ولم ينقصه إلاّ المطالبة، وبإلحاح، بالرجوع عن القرار وبإعادة يعقوب الى حيث كان، في غياهب الإعتقال.

إذا سلّمنا بأنّ يعقوب هو سوريّ الأصل، لكنّه مولود في لبنان، ترعرع بين ربوعه، تنشّق نسائم الحريّة فيه، رفض كأهله أشكال الظّلم والهيمنة، عشق هوى الديمقراطيّة، انتفض على الغاصب. وهو في ذلك يُعتبر سابقاً لعصره، ومبشّرا بالرّبيع السّوري قبل نيّف وعشرين عاما. وسوريّة يعقوب ليست تهمة، ألم يصرّح الجنرال نفسه، حين زحف الى بلاد الشّام، بأنّ الموارنة، وهو منهم في الهويّة، يتحدّرون من أرض سوريا؟ أو هكذا يحمي النّظام الأقليّة المسيحيّة المتبقّية في ظلّ حكم البعث، بالتنكيل وأصناف التّعذيب؟

ويعقوب سرياني، وهذه النسبة موضع اعتزاز لديه حتما، فالسّريان أصل الحضارة العربيّة ومرضعوها، وأوّل من أسّس المدارس التي خرّجت عظماء المشرق العربي، ومعلّمي الخلفاء  وناقلي العلوم والثقافات الى العربيّة. وهم أجداد الموارنة ويشبهونهم في تحدّي المستحيل، وفي اتّخاذ القمم لهم مسكناً، ليشبكوا أيديهم بيد الله.

ويعقوب مقاتل كان منضويا في حزب الكتائب ومقاتلا في صفوف "القوات اللبنانية"، كما الكثير من السريان والأشوريّين والكلدان، هؤلاء الذين أبوا أن يشهدوا للباطل، فاندفعوا الى مواجهة مخطّط العار الهادف الى إلغاء الكيان، وانخرطوا في صفوف الشرف كي لا يذوب لبنان في خرائط الآخرين. فبدلا من جعل مصافهم فوق رفّات العيون، ووضع زهرة على أضرحة شهدائهم، سخّف الجنرال نضالهم، وهو الجاهل معنى النّضال، وعنّف بسالتهم، وهو الخبير في التّخاذل والهروب.

لقد ألّف السّريان قاموسا لمشاوير البطولة في بلادي. أما صديقنا الجنرال، فينطبق عليه المثا القائل: "عندما يغيب العقل يعلو الصّراخ". أمّا التّهمة الجاهزة، أي التعامل مع العدوّ، والتي ورثها الشعوبيّون الجدد عن حلفائهم المنقرضين، فهي أسهل ما يمكن أن يلفّق ويلصق بالمستهدف. أين الدّليل الذي يقدّمه الجنرال على تعامل يعقوب مع العدو وهو المطالب بالحصول على الأدلة بأن ميشال سماحة أتى بالمتفجرات من سوريا رغم اعترافات سماحة نفسه؟ إنّه، ولا ريب، كالأدلّة الوهميّة التي يرتكز عليها عندما يكيل التّهم بهذيان. أين المحاكمة التي خضع لها يعقوب في سوريا، وبالتالي الحكم المبرّر الصّادر عنها؟ لماذا لم يعتبر الجنرال يعقوب من المناضلين الشرفاء الذين هبّوا دفاعا عن أهلهم وأرضهم وكرامتهم، في وجه الفلسطينيّين الغرباء الذين وضعوا اليد على بعض لبنان وأرادوا بسط اليد على كلّه، كما يصنّف الملتحقين بحزب الله، ويدافع عنهم باستبسال، لأنّهم يقفون، برأيه، في وجه الاحتلال الإسرائيلي؟ إنّ مقاربة الجنرال عوراء، تنصف الباطل وتتنكّر للحقّ، ولا عجب إذاً إن تكاثفت الإفتراءات في مقارباته فرجحت في الكفّة.

يا رفيقنا شمعون،
قضيّتك تهذّب الوجدان الوطني، وتجذّر فينا الإيمان بأنّ الأبطال، كما أنت، هم الذين يجوع إليهم الوطن. وكن على يقين بأنّ لبنان "العظيم" لا ينسجم إلاّ مع من يتقنون امتشاق الكرامة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل