على رغم انهماك لبنان الرسمي والشعبي بالاستعداد لاستقبال البابا بينديكتوس السادس عشر، خرق المشهد السياسي اللقاء الباريسي الذي جمع الحريري وجنبلاط، وأدّى إلى فتح كوّة في جدار العلاقة المتشنجة حتى الأمس القريب بين الرجلين، وذلك بحسب المعلومات الواردة من باريس.
لكن يبقى السؤال: ما هي النتائج التي خرج بها هذا اللقاء، خصوصاً أن للرجلين نظرة مختلفة حيال الوضعين الداخلي والإقليمي تتقاطع في بعضها وتتمايز في بعضها الآخر؟
مصادر مقرّبة من الحريري وجنبلاط تصف لـ"الجمهورية" اللقاء بأنّه "كان أكثر من ممتاز، على رغم أنه بدأ مشدوداً نوعاً ما، خصوصاً أنه اللقاء الأول من حيث الشكل والمضمون منذ تقديم جنبلاط خدمة لحلفاء سوريا مكّنتهم من تأليف حكومة، عارَضَ هو لاحقاً معظم مشاريعها وفوّت على أكثريتها فرصة التحكم المطلق بمسار البلد ومصيره".
وتلفت المصادر إلى أنّ "لقاء الرجلين يشكل حدثاً في حدّ ذاته، لأنّ هناك أفرقاء لبنانيين سبق وسَعوا إلى عرقلته خوفاً من تحالف يجمع بينهما على اكثر من محطة".
لم يخلُ اللقاء من "زكزكات" يتقنها الحريري، فهو سأل جنبلاط عن أحوال حلفائه في "حزب الله"، ليبتسم جنبلاط ويرد ممازحاً: "مناح بيسَلّموا عليك"، فضحكا معاً، ليسأل الحريري بعدها جنبلاط عن رؤيته الخاصة للأوضاع السورية. فبدأ الأخير شرحاً مستفيضاً أضاء من خلاله على مكامن نقاط الضعف لدى النظام السوري وعلى ضرورة تسليح الثورة السورية، إذا لم يرد الغرب التدخّل المباشر على خط الأزمة.
وهنا تشدد المصادر على أنّ "الطبق السياسي الرئيس كان القانون النسبي حيث تتطابق وجهة نظر الطرفين من هذا الملف، وهما يدركان ان السَير بالنسبية على أساس المشروع المقرّ في مجلس الوزراء إنما يستهدفهما مباشرة، على طريقة الذبح من خلال القطمة، تمهيداً لتسليم البلد إلى محور سبق لجنبلاط أن وصفه بالشعار "المزيف".
وتكشف المصادر أنّ جنبلاط طلب من الحريري التريّث في الذهاب بعيداً في موضوع إسقاط الحكومة، قائلاً له: "من انتظر كل هذه الفترة على حكومة كهذه، يستطيع أن ينتظر قليلاً من الوقت إلى حين موعد الانتخابات النيابية، وعندها سيكون لنا كلام آخر".
وتجزم المصادر بأنّ جنبلاط "أصبح عملياً على مرمى حجر من استعادة دوره الريادي داخل فريق 14 آذار، ولكنه يتخوّف من أن يزعزع أي انتقال مفاجئ له أمن البلد، خصوصاً في المناطق التي تنتشر فيها شريحة كبيرة لمؤيّدي فريقي 8 و14 آذار، وتحديداً الدروز والشيعة".
وتلفت إلى أن "الحريري اكّد لجنبلاط طَي صفحة الخلافات بينهما، وأنّ العلاقة ستتخذ من الآن وصاعداً منحى آخر كالتشاور المستمر في الحالات التي تستدعي توافقاً سياسياً وانتخابياً بين الفريقين، وهذا ما سيظهر في المرحلة المقبلة".
وتكشف المصادر أن "عرّاب لقاء جنبلاط – الحريري هو وزير الأشغال العامة غازي العريضي، المعروف عنه خبرته في إصلاح الطرقات الميدانية والسياسية وتعبيدها، وهو لم يترك ذكرى او حدثاً إلّا واستثمره للاتصال بالحريري، الأمر الذي أبقى على خيط التواصل بين "المختارة" و"بيت الوسط"- لاحقاً باريس"، وتضيف أن "اللقاء لم يتطرق إلى عمق الأزمة اللبنانية، لكنه لم يغفل إمكان تحوّل لبنان ساحة صدى للأزمة السورية، وذلك من خلال نقل بعض حلفاء النظام السوري المواجهة إلى الداخل اللبناني".
وتلفت المصادر إلى أنّ "اللقاء كان يجب ان يُعقد منذ شهر تقريباً، ولكن الحريري شدد على وجوب عدم حصول اللقاء إذا لم تُفتح أبواب الملك عبدالله بن عبد العزيز لجنبلاط، وهذا الطرح لاقاه جنبلاط بترحاب وتفهّم، حتى أنه أسرّ إلى احد المقربين منه بالقول: "سعد الحريري معه حق، فالملك عبدالله قطع علاقته بي بعد موقفي الشهير من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهو الآن لا يستطيع الانفراد بمصالحتي من دون العودة إلى الملك".
وتوضح المصادر أنّ "خروج الملك من السعودية في فترة نقاهة، وربما خضوعه لاحقاً إلى فترة علاج صحية، استدعى تحديد موعد للقاء، خصوصاً أن رحلة العلاج هذه قد تطول وهناك استحقاقات كثيرة مقبلة على لبنان، وعلى رأسها الانتخابات النيابية".
وتؤكد المصادر أن "الكيميا التي تجمع بين جنبلاط والحريري سَهّلت عليهما الكثير من التوضيحات، خصوصاً لجهة جنبلاط الذي قيل إنه كان محرجاً نوعا ما من الانعطافة التي قام بها، لكنه اكّد للحريري أنه يوم قرّر منح ميقاتي أكثرية الأصوات لم يكن هناك وَسطي غيره، وكل ما قيل أو يقال في هذا الصدد هو امر في غير محله، والأيام ستثبت صحّة كلامي".