يعرف القاصي والداني أنّ الأكثرية الحكومية أقرّت قانون الانتخاب النسبي ووزّعت الدوائر الانتخابية كما أرادت بأكثرية واضحة، بعيداً من صيغة التوافق الحكومية وفقاً لمعايير دقيقة تضمن لها مصالحها تأسيسا على دراسات دقيقة ومعمّقة للتوازنات السياسية والحزبية والشعبية والطائفية والمذهبية في آن، ما سيؤهلها الى الفوز بالأكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة وفق القانون الذي أحاله رئيس المجلس النيابي الى اللجان النيابية، ما يضمن لها أكثرية نيابية تفتقرها في اي لحظة بمجرّد عودة رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط الى صفوف الأكثرية النيابية السابقة على حساب الحالية، على رغم حفاظه على تركيبة الحكومة الحالية بتوازناتها القائمة خوفاً من عدم القدرة على توفير البديل، او قيادة البلاد الى مرحلة من الفراغ القاتل.
لميقاتي كتلته النيابية
وبموجب القانون الجديد تقول المصادر إن الرئيس نجيب ميقاتي سيتمكن من تشكيل كتلة نيابية تؤهله للمواجهة المرتقبة على الساحة السنّية مع تيار "المستقبل"، بمجرد الإبقاء على طرابلس دائرة واحدة بعد فسخ المنية والضنية عنها وإلحاقهما بعكار، ما يوفر أجواء أكثر ارتياحا لميقاتي في ظل التحالفات الجديدة مع بعض قوى 8 آذار الطرابلسية، وفي مقدمها الرئيس عمر كرامي والعائلات الأخرى، مُضافة الى ما حققته خطة استمالة الجماعات الإسلامية في المدينة وحلفائه الجدد بقدر ابتعادهم عن تيار "المستقبل" ومن يمثّله فيها.
وللقضاء على جنبلاط والحريري
ويقول العارفون إن القانون الجديد للانتخاب والتقسيمات الجديدة ستسدد ضربة قوية وقاسية الى النائب وليد جنبلاط، سواء خاض الانتخابات بعباءة "جبهة النضال الوطني" او عبر "اللقاء الديموقراطي" الذي يمكن إحياؤه بين ليلة وضحاها من خلال التقسيمات التي أخضعت نفوذه في الجبل لإعادة نظر كبيرة في القواعد الشعبية المؤثرة في العملية الانتخابية في الشوف وعالية، كما بالنسبة الى بعبدا.
وفي حسابات ماكينات قوة 8 آذار الانتخابية أرقام تقرّبهم من الفوز. فالاعتماد على النسبية سيؤدي حتماً الى اعادة نظر في التوازنات الطائفية الكبرى التي تحكمت بالأكثرية السابقة.
ففي أدنى مستوياتها، يمكن للقوى السنية المتمثلة في 8 آذار ان تسجّل حضورا انتخابيا يتمحور بين 33 في المئة و40 في المئة وفق المناطق الانتخابية، وبنسبة مسيحية توازن الـ 50 في المئة مقابل 50 في المئة أخرى من 14 آذار، فتبقى "الدفّة طابِشة" بنسبة 85 الى 90 في المئة على مستوى الطائفة الشيعية لصالح الثنائي "حزب الله" – حركة "امل".
وعليه، فقد توقّف جنبلاط امام هذه المعادلة الجديدة، فأعلن الحرب الشرسة على القانون الجديد، وبدأ باستعادة تحالفاته السابقة من باب اللقاء مع الحريري وفتح ابواب الحوار مع المكوّنات الأخرى الإسلامية والمسيحية تحت عناوين انتخابية فقط.
ذلك انّ الهم الأمني أبقى كوادره الأمنية على تواصل مع كل من "حزب الله" وحركة "امل" و"الحزب اللبناني الديموقراطي" حفاظاً على خصوصيات الجبل وضواحي بيروت الجنوبية الشرقية.
نسعى لفوز واسع
على هذه الخلفيات نُقل عن جنبلاط انه كان واضحا وصريحا في لقائه وحليفه السابق سعد الحريري، مجددا قول ما أفصح به الى مقربين منه ناقش معهم الهم الانتخابي، فلفت الى خطورة سَعي البعض من مكوّنات 14 آذار الى تحقيق مكاسب مناطقية يعتبر أنها آنية ولا تثمر انتصارا كبيرا مطلوبا على مستوى القوى السيادية لـ14 آذار، مُعرباً عن مخاوفه من إمكان استدراج البعض الى منطق النسبية الذي يمكن ان يعطي بعض الكتل المسيحية عددا اكبر من النواب، لكن ذلك لا يمكن ان يؤدي الى انتصار واسع مطلوب على مستوى الصراع القائم بين 8 و14 آذار.
والهدف من كلّ هذه النظرية، يقول جنبلاط في مجالسه، إن الكتلة السنية الكبرى التي يمثّلها تيار "المستقبل" هي التي صنعت الأكثرية النيابية السابقة، وإنّ المَسّ بها في بيروت او طرابلس وعكار والبقاع الغربي سيؤدي حتما الى خسارة مدوّية للأكثرية المطلوبة.
فالمشكلة ليست في أن يخسر جنبلاط مقعدا من هنا او هناك، او ان يفوز آخر بمقعد إضافي هنا او هناك، بل هي في ان تتحوّل الأكثرية الحالية الحكومية الى أكثرية نيابية مُماثلة، فتُطبِق على الحكم والحكومة وتنتهي معها أدوار لفرقاء كُثر يمكن استيعابهم بالمفرّق في مرحلة لاحقة. فيما البلاد تكون في طريقها الى مكان آخر، حيث كان العالم العربي قبل الثورات الربيعية وشعوبه راجعة.