كتب ألان سركيس في صحيفة "الجمهورية":
أعادت تسمية الإرشاد الرسولي بـ«شركة وشهادة»، إلى الأذهان العلاقة بين بكركي والفاتيكان، والجدلية التي أخذتها مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
عند انتخابه بطريركاً، أطلق الراعي شعار "شركة ومحبة"، وأراده البداية لمرحلة دفن الخلافات المسيحيّة والوطنيّة، فهو عمل في الفاتيكان مدة طويلة، ومطّلع على تفاصيل عمل الكرسي الرسولي ويحظى برعايته ويعرف دهاليزه، ما سهّل وصوله ليكون رأس الكنيسة المارونية وبطريرك أنطاكيا وسائر المشرق.
بعد فترة من تسلّمه مسؤولياته، اتّخذ الراعي سلسلة مواقف من الربيع العربي والثورات العربيّة، وخصوصاً الموقف تجاه سوريا، حيث اعتبر أنّ النظام الحالي سيّئ، لكن الخوف هو من أن يأتي نظام أكثر سوءاً، ممّا يسبب تهجير المسيحيّين جرّاء ارتفاع أعمال العنف والقتل والاضطهاد الطائفي.
قد يكون موقف الراعي فُسّر خطأً، أو استرسل البعض في تفسيره، أو كانت غايته من الكلام غير الذي فهم، لكن بالتأكيد أثارت تصريحاته عواصف ردود داخل الصّف المسيحي، ورأى البعض أنّه يأخذ بكركي إلى غير خطّها وثوابتها التاريخيّة، لأنّ المسيحيين دفعوا الثمن الأكبر من مواجهة النظام السوري، وجاء زمن الانتصار عليه، فلماذا عدم استغلال هذه اللحظة والاستعاضة عنها بالركوب في سفينة تغرق؟
في ظلّ عدم الرضى على مواقف الراعي، خرج البعض ليدافع عمّا صدر منه والقول: "هكذا يريد الفاتيكان"، فهو يرسم سياسة بكركي ويضع الخطوط العريضة لها ويرى الموقف المناسب للمسيحيّين، والبطريرك لا يأخذ هكذا مواقف من دون الرجوع الى الفاتيكان واستشارة البابا. هذا الرأي ردّ عليه البعض بالقول إنّ "مواقف بكركي تصدر من هنا ولا تعبّر عن رأي الفاتيكان، بل تعبّر عن توجّه جديد لبكركي بعد استقالة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير".
الإرشاد الرسولي هو تحت عنوان "شركة وشهادة"، أمّا شعار البطريرك فـ"شركة ومحبة"، فهل كان شعار "شركة وشهادة" تدعيماً لـ"شركة ومحبّة"، أم مهّد شعار "شركة ومحبّة" لـ"شركة وشهادة"؟
تؤكّد مصادر بكركي لـ"الجمهورية"، أنّ "التنسيق مع الفاتيكان دائم في كلّ المواقف، لا بل إنّ بكركي والفاتيكان هما جسم واحد لا ينفصل، وهناك تَماهٍ وانسجام تامّ، والمواقف الكبيرة التي أخذتها بكركي وخصوصا من الأزمة السورية هي بالتنسيق مع الفاتيكان، لكنّها فُسّرت خطأً واستُغلّت سياسيّاً، فبكركي لا تدخل في التفاصيل إنّما تتحدّث بالمبادئ، وهدفها وضع حلّ وتصوّر لتجنيب المسيحيّين المخاطر المحدقة بهم".
أمّا في ما خصّ شعار "شركة وشهادة"، فتنفي مصادر بكركي حصول "تنسيق في العنوان، بل إنّ الخلفية والأهداف نفسها، وأتى الشعار في السياق نفسه، والرمزية الأساسية التي يحملها، هي رسالة دعم لمسيحيّي الشرق انطلاقاً من لبنان، وللتمسّك بدورهم وتراثهم ووجودهم في ظلّ الظروف التي تمرّ بها المنطقة مع انطلاق الربيع العربي، فبكركي والفاتيكان مع ربيع مسيحي يساعد الربيع العربي على تأدية أهدافه".
وتنفي مصادر بكركي أيضاً أن "تكون الزيارة لتدعيم موقع الراعي بعد مرور سنة ونصف على انتخابه وسط العثرات والمشاكل التي واجهته وخصوصاً على الساحة المسيحيّة، لأنّ الراعي لا يحتاج إلى دعم، كما أنّ البابا لن يحمل أيّ مبادرة خاصة لجمع الزعماء المسيحيّين، بل إنّ زيارته هي لدعم الشعب المسيحي في لبنان والشرق، ورفع معنوياتهم مثلما فعل البابا الراحل يوحنا بولس الثاني أثناء زيارته لبنان في العام 1997 وإطلاقه الإرشاد الرسولي تحت عنوان رجاء جديد من أجل لبنان".
أكبر دليل على الانسجام بين بكركي والفاتيكان، وجود السفارة البابوية في حريصا على مقربة من الصرح البطريركي، وفي كسروان القضاء الماروني الأكبر، وبالطبع يتابع الفاتيكان الأحداث في المنطقة، ويهتمّ بالمسيحيين، لكنّ قدرته على التأثير في الزعامات المسيحية محدودة بسبب ارتباط تلك الزعامات بدول خارجية، والمبادرة الأساسية يجب أن تحصل مع القيادات لأنّ مجمل مشاكل الضعف المسيحي وانحصار دورهم في لبنان يعود إلى الصراعات في ما بينهم، بينما الشعب المسيحي متصالح مع بعضه ويسود السلام والمحبّة قلوبهم.