ليس سرّاً أنّ الأرضية الحقيقية التي أسّست للمصالحة، بين الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط تمثّلت في الموقف المتشابه من الثورة السورية. فمع فارق أنّ جنبلاط سبق الحريري بالمجاهرة بدعم الثورة ولو تدرّجاً زمنيّاً وتصاعديّاً، فإنّه وفي العمق ركب الاثنان مركباً واحداً.
الموقف من الملف السوري هو الذي مهّد الطريق أمام جنبلاط ليلتقي الحريري، والسعودية لم تكن بعيدة عن إتمام اللقاء ولو من باب إلزام جنبلاط المرور بمعبر إجباري، قبل فتح أبواب خادم الحرمين الشريفين.
وإذا كان من شبه المحسوم ومنذ الآن، أن تتحالف قوى 14 آذار مع جنبلاط في إسقاط قانون النسبية الاستنسابية، والتحضير لخوض الانتخابات على أساس قانون الستّين، إذا امتنعت قوى الثامن من آذار عن البحث في الدوائر المصغّرة (وهو المرجّح)، فإنّ عناصر التقاطع بين الحريري وجنبلاط اقتصرت على هذين الملفين، من دون أن تشمل موضوع استمراره بالمشاركة في حكومة الانقلاب.
ومن المنصف القول إنّ جنبلاط لم يأتِ إلى اللقاء بنيّة الاتفاق على طريقة الإطاحة بالحكومة، فلا هو طرح الموضوع ولا الحريري طلب منه شيئاً محدّداً، ربّما لعلمه المسبق بأنّ جنبلاط لا يريد أو لا يستطيع أقلّه الآن، أن يتقدّم متراً واحداً إلى الامام في مسألة الحكومة، التي لا تحظى إقالتها، بأيّ حماس دوليّ أو إقليمي، كونها تحوّلت من خلال أداء رئيسها، إلى حاجة لتمرير مرحلة انتقالية خطرة، بأقلّ قدر من الخسائر.
لم يقتصر الامر في اللقاء بالنسبة إلى جنبلاط على استبعاد التغيير الحكومي، بل كان مبادراً في طرحه الجديد القديم، الذي حاول تسويقه وفشل منذ أشهر، والمتمثل بترتيب هدنة سياسية وإعلامية بين تيار "المستقبل" و"حزب الله"، وبالذهاب أبعد من ذلك إذا نجحت الهدنة، إلى ترتيب حوار مباشر وفتح القنوات المقفلة، كلّ ذلك وفق معادلة: "لنحيّد "حزب الله"، ونركّز الهجوم على النظام السوري، ونرفع منسوب الدعم للثورة".
لم يبتكر جنبلاط جديداً بهذا الطرح، فهذا ما كانت قوى 14 آذار قد فعلته بعد الانسحاب السوري في العام 2005، حيث قدّمت إلى "حزب الله" الذي كان يتّجه إلى تطيير الانتخابات فرصة تحالف رباعي، ما لبث أن تحوّل إلى سلسلة انقلابات نفّذها الحزب، أدّت في آخر فصولها إلى إسقاط حكومة الحريري بقوّة القمصان السود.
وبغضّ النظر عن تجاوب الحريري من عدمه مع طرح جنبلاط، فإنّ قوى 14 آذار ستكون للمرّة الثانية منذ العام 2005، أو ربّما الثالثة، أمام مسؤولية مواجهة تحوّلات سريعة لقوى ومواقع، لا بدّ من مواجهة استحقاق التعاطي معها بدقة.
فقوى 14 آذار الأساسية كـ"المستقبل" و"القوات" و"الكتائب" و"الأحرار" و"الكتلة" و"اليسار الديموقراطي"، وبالطبع القوى الممثلة للمجتمع المدني، بقيت في مكانها ولم تتحرّك. وهي اليوم تستعدّ للتعامل مع تموضعات جديدة لقوى قديمة، ثبت أنّها قادرة على الالتفاف والمناورة، بأكثر ممّا تستطيع قوى 14 آذار بأضعاف.
فإضافة إلى عودة جنبلاط، هناك استحقاق التعامل مع الرئيس نبيه برّي، الذي أحدثت الإشادة المبالغ بها لخطابه في النبطية، ردّة فعل سلبية داخل 14 آذار، ولم يغب انتقاد هذه المبالغة عن اجتماع معراب، حيث طالب ممثّلو المجتمع المدني قادة ونوّاب 14 آذار بأن "لا يكرّروا إعطاء الرئيس برّي فرصة تكرار مناورة العام 2005"، لكن ما العمل، كما قال أحد أبرز قادة 14 آذار، إذا اقترب الرئيس برّي أو غيره منّا، في حال سقوط النظام السوري، هل نقول له لا تقترب، أم نتعاطى مع هذا التطوّر بواقعية؟
سؤال لا جواب له إلى الآن لدى أيّ من قوى 14 آذار، حتى تلك المتشدّدة منها.