انتهى زمن "المليونيات" الحالمة وجاء زمن"المليارات" المتعبة، بمعنى ان الثورة التي استقطبت الملايين الى ميدان التحرير بات عليها الاهتمام المسؤول بالوضع الاقتصادي الصعب في بلد ينتج من الافواه اكثر مما ينتج من الارغفة، وفي هذا السياق يقول الدكتور محمد العسعس خبير الاقتصاد: "ان 40% من الشعب المصري ينام وهو جائع" بما يعني ان التحدي الأهم الذي يواجه حكم "الاخوان المسلمين" هو الوضع الاقتصادي.
واضح ان من اسباب اندلاع الثورة في مصر الوضع الاقتصادي المتردي وواضح ان حقبة الثورة انعكست كساداً في السياحة وتدفق الاستثمارات، ولهذا فان الامتحان لتجربة حكم الاخوان، هو ماذا سيفعل محمد مرسي في المسألة الاقتصادية بعدما اطلق الوعود بأنه سدعم النمو ويخلق الوظائف ويعزز الطبقة الوسطى؟
بدأ مرسي تحركه على قاعدة اطلبوا المال ولو من الصين، لكن نتائج زيارته لبيجينغ كانت في حجم بحصة تسند خابية، ومع زيارة كريستين لاغارد للقاهرة والحديث عن قرض قيمته 4,8 مليارات دولار مقابل برنامج اصلاحي في اداء الاقتصاد المصري اشتعل الجدال بعدما رفضت قوى دينية وسياسية سياسة الاقتراض من الخارج التي كان محمد مرسي وحزب "الحرية والعدالة" يعارضانها من منطلق ايديولوجي، هو ما دفع رئيس الحكومة هشام قنديل الى القول: ان مصر لا يمكنها الاستغناء عن القروض وخصوصاً في ظل عجز في موازنة السنة الحالية يصل الى 22,5 مليار دولار تضاف الى مجمل عجز قيمته 135 ملياراً. وهو ما يؤكد القول "ذهبت سكرة الثورة وجاءت الفكرة" فالمصريون ينتظرون حدوث فرق مع النظام الجديد. وسط الجدال المحتدم بين المصريين حول الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي والتي تتعلق بالامن الوطني العام كما يقول البعض، اجتاح القطريون المشهد مثل عاصفة مثيرة عندما اعلن الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء ان قطر ستضخ استثمارات في مصر تبلغ قيمتها 18 مليار دولار خلال خمس سنوات.
أهمية القرار القطري انه يندرج في اطار مختلف وأكثر فائدة وإنتاجية، بمعنى انه ليس على شكل قروض ترتبط بشروط للتنفيذ، بل هي استثمارات في مشروعات ضخمة تؤمّن آلاف فرص العمل للمصريين وتهدف الى تحقيق النجاح للطرفين المستثمر والبلد أيضاً، وكانت قطر قدمت مبلغ ملياري دولار كدعم للاقتصاد المصري.
وعندما تستثمر قطر 8 مليارات في قطاع الكهرباء والمصانع اضافة الى 10 مليارات في قطاعات السياحة والمشاريع العمرانية والاسكانية، فانها تعمل على طريقة القول لا تقدم الأسماك الى المصريين بل تعاون معهم في الصيد، وأمام هذه المشاريع الضخمة ليس كثيراً تكرار القول ان قطر ستبقى قاطرة المبادرات لإنجاح "الربيع العربي".