تصغي إلى آراء الناس في التاكسي في الشارع في الملهى، داخل المنازل، صرخة من هنا، طرفة من هناك. شكوى. احتجاج. نقد. شتيمة على الطريقة اللبنانية. كل ذلك، توحيه حكومة جاءت بقمصان سود، وباتت بلا قمصان، حكومة تستمر بقوة الأقنعة السوداء حتى صارت بلا أقنعة. فقط بسواد. والسواد بلا أقنعة أقوى من السواد بأقنعة. والسواد بلا قمصان أكثر من السواد بقمصان: لأن ذلك يمحو الحدود بين سواد الوجوه وبين سواد السرائر. إذا تصغي إلى ما توحيه حكومة "الهجائن" برئاسة نجيب ميقاتي وإدارة حزب الله! لكن أجمل ما سمعته من أحد سواقي التاكسي: "يا أخي هذه أسوأ حكومة عرفها لبنان في كل تاريخه". يكمل ساخراً: هذه حكومة بلا حكومة. لا تبحث عنها في مجلس الوزراء او في السرايا.. بل في مكان آخر "غامض" لكنه معروف الإقامة والصوت والقسمات والرائحة. وتصغي إلى آخر "لو كانت السيجارة ميليشيا مسلحة ممولة ومسلحة من الخارج، هل كانت تجرأت الحكومة على منعها!". ويضيف هذا الظريف : "لو كانت السيجارة مقنعاً أسود من سرايا الدفاع الحزبي الإلهي الذي أحرق محطة تلفزيونية… هل كانت تجرأت الحكومة على تبيان "أخطاره" البيئية والاجتماعية والسياسية والصحية والأخلاقية كما فعلت مع السيجارة؟" لو كانت السيجارة ميشال سماحة مقبوضاً عليه ومتلبساً بالجرم المشهود، لطلعت أصوات من عدة جهات للدفاع عنها، حتى داخل الحكومة… وحتى ميشال عون الذي يعتبر أن كل ما نشر عن "زميله" وحليفه الممانع سماحة مجرد أخبار صحافية. بل ها هو يريد اثباتات… انه ميشال عون ومن يستطيع ان يثبت أن ميشال عون موجود وهو حقاً ميشال عون.
… ولو كانت السيجارة صاحب مصنع المخدرات في الضاحية ومروجها، (ومروجيها) من فوق ومن تحت أكانت عوملت بهذا الإصرار على تنفيذ القوانين، ومنع الضرر؟ ولو كانت السيجارة أصحاب كسارات تنتهش الجبال، وتشوه الطبيعة وتضر بالبيئة والعافية، أما كانت تماهلت معها حكومة… و"عوضت" الخسائر التي كبدتها للبنان؟ ولو كانت السيجارة فايز كرم (العميل المفدى والحليف الممانع لعون ولحزب الله!) أكانت وجدت هذه "الرأفة" وهذا "التقدير" لظروف العميل الإسرائيلي؟ أما كان ثُمّن دورها "الممانع" و"المقاوم" على الرغم من الضرر البالغ الذي يلحقه بالمناخ الوطني؟ ولو كانت السيجارة السفير السوري علي عبد الكريم، أكانت عوملت بهذه القسوة، والإلحاح والتواطؤ التي عومل بها هذا الأخير… الذي ينتهك يومياً سيادة البلد وامنه! ولو كانت السيجارة من أصحاب المصانع التي تلوث نفاياتها الأنهر والمياه والبحر… أكانت لقيت مثل هذا "الإجماع" الحكومي على "إدانتها"! ولو كانت السيجارة المجرمين اللذين حاولا اغتيال سمير جعجع وبطرس حرب.. أكانت تعرف "المسؤولون" الحكوميون والأمنيون معها، بهذه الطريقة "العادلة"؟ ولو كانت السيجارة تنتمي إلى المتهمين باغتيال الشهيد رفيق الحريري، أكانت سُلمّت إلى القضاء… بتهمة الإضرار بالحياة العامة.. والتسبب بالسرطان؟ ولو كانت السيجارة من الجناح العسكري لآل مقداد، أما كانت اليوم تلقى التكبير والتطبيل والهتاف بطول نضالها ومقاومتها الشريفة! ولو كانت السيجارة نجيب ميقاتي، أكان صبر عليها القريب والبعيد؟ هذه التعليقات الطريفة سمعت بعضها من أفواه المدخنين وسواهم. حكومة "الشبيحة" هذه لم تقدر إلاّ على السيجارة. حمّلتها كل موبقاتها. حمّلتها موبقات التلوث. حملتها فشلها. حملتها خنوعها للنظام السوري. حملتها إفلاسها. حملتها "سياسة النأي" التافهة والجبانة والكاذبة! حملتها التواطؤ مع الاعتداءات السورية على الحدود اللبنانية! وآخرها تحليق كثيف للطيران الحربي فوق وادي خالد! حملتها دماء اللبنانيين الذين اغتالتهم شبيحة النظام… الحكومة "صنيعة" الوصايتين، ارادت أن تغطي على تعتيرها وعمالتها وارتهانها بافتعال "انتصار" مدوٍ يتجسد بمنع التدخين في الأماكن المغلقة. رائع! نحن لسنا ضد اي قانون في هذا السبيل. ولكن أن يكون منع التدخين "انجازاً" من دخان السيجارة، ومن ورقها الرقيق لتأخذ "الحكومة" "نفَس" أرجيلة من المعنويات… فهذا غير مقبول. فهذه الحكومة هي للفساد! أفسد حكومة عرفها لبنان. اتفه حكومة عرفها لبنان. أردأ حكومة عرفها لبنان. تأملوا معظم وزرائها واحداً واحداً من باسيل إلى منصور إلى الصفدي إلى ليون (وزير اللاثقافة!) إلى قرطباوي (كنّا نقدره ونحترمه قبل أن يعين في هذه الحكومة ويصير بلونها مكللاً بالسواد!) ..
لو كانت هذه الحكومة في بلاد الماو ماو لاسقطت لفضائحها وسرقاتها ونهبها واستذلالها للوصايتين، وتنازلها عن كرامة شعبها وعن سيادة بلدها وعن انتهاكها القوانين وارتهانها للمخبرين والمخابرات، هذا ما يقول الناس عنها. الكهرباء . بلا كهرباء بينما الصفقات تعقد حول "العتمة". المياه ملوثة. ولا من يدافع عن البيئة الاقتصاد منهار. المؤسسات المالية والتجارية تغلق الواحدة بعد الأخرى. النظام السوري يهددنا بلسان هذا المخبر برتبة وزير الاعلام عمران الزغبي ولا أحد يرد. يتهجم اعلام النظام على رئيس الجمهورية فينبري العملاء المحليون والمرتزقة الصغار والأبواق المأجورة في جوقاتهم المعروفة، ليتعرضوا لرئيس بلادهم انحيازاً لرئيس نظام يقتل شعبه ويرتكب المجازر ويتعرض للمواطنين. حكومة بلا ماء وجه ولا وجه . حكومة كأنها فجأة صارت من انفال الماضي، من أنفال الطغاة. والسؤال: كيف يمكن أن تخدم حكومة تدين للطغاة بوجودها، ان تخدم الديموقراطية، والحرية، كيف يمكن أن تخدم حكومة "شعبها" اذا كانت مشبوهة العلاقات، مزدوجة الولاءات، متعددة السحن، حربائية المواقف. اي حكومة لا تسائل السيد حسن نصرالله عن تصريحاته النارية واستعداده لدخول حرب مع اسرائيل اذا اعتدت على اربابه في ايران من دون الرجوع إلى احد. لا إليها. ولا إلى الجيش. ولا إلى مجلس النواب. ولا إلى رئيس الجمهورية! فكأن البلاد بالنسبة إلى حزب الله سائبة، بلا أصحاب، ولا ناس، ولا شعب، ولا زعماء، ولا قيادات ما عداه: فهو أحل نفسه محل الناس. وأحل نفسه في جماهيريته العظمى (محتضنة الجواسيس والعملاء والخوات والفساد والمخدرات والكونتونات) محل الجمهورية. ومن الطبيعي أن تبتلع "جماهيرية عظمى" مسلحة بمخازن ايرانية وسورية "الجمهورية الصغرى الأم. كأنها عقدة أوديب. هذه هي حال حزب الله! يسرح ويمرح، يضغط على القضاء لتخفيف الأحكام عن العميل الاسرائيلي فايز كرم، يضغط على القضاء ليطلق سراح زورو "سرايا الدفاع (ذا القناع الأسود!) الذي حاول احراق محطة نيو تي ي. يضغط على الوزراء ليبقوا هذه الحكومة الشاغرة خدمة للنظام البعثي (غريب يطالب حزب الله واولياؤه باستئصال حزب البعث العراقي "السني" والدفاع عن حزب البعث السوري المذهبي الرائع). فأي حزب هذا، جامع شتات حكومة بلا هوية، ولا دور، ولا مثال، ومدعي استمرار مقاومته في ازقة بيروت وطريق المطار وفي دوران الدواليب المحترقة، أي حزب مقاوم هذا يتواطأ مع عشيرة مسلحة قامت بخطف ابرياء من اتراك وسوريين. أين هم الخاطفون يا نعيم قاسم. وأين هم المخطوفون؟ ولماذا لا تخطفون عبر احتضانكم الأجنحة العسكرية للعشائر وبعض البؤر العميلة في طرابلس، وفي الضاحية وفي بيروت، ولماذا لا تخطفون رعايا 134 دولة صوتت ضد حليفكم المفدى "الممانع" "المقاوم" (طبعاً ليس في الجولان ولا في لواء اسكندرون ولا حتى في مزارع شبعا) وهكذا تحققون انجازاً عظيماً غير مسبوق بعولمة الخطف، كما تحاولون أن "تعولموا" إحداث حركات تقسيمية مذهبية في اليمن وفي المغرب وفي مصر وفي سوريا وفي البحرين… وطبعاً في لبنان! عولمة الطائفية من اختراع "المستعمرين.. القدامى والجدد، والصهاينة، فما أجمل عولمتكم "الحديثة" (وانتم حديثو النعمة في السلطة والكوننة والعولمة والشوملة: مفردات موازية للعولمة، التي تبشر لبنان العرب والعالم بزمن غيتوي عشائري ومذهبي بغطاء ديني "شفاف"! هذه الحكومة جزء من الذهنية العشيرية والحزبية القبلية والجغرافيا الضيقة! ولهذا احس احياناً برغم هذه "العولمات" البلهوانية "الخاصة" وكأن حكومة الحزب مثله أضيق من طريق غير مزفتة في آخر دسكرة في لبنان. وعندما قرأت ما قاله القاووق (ما غيرو!) كم أحسست بأن هذا الحزب والصنيعة الايرانية التي "يحتضنها" قد ريّف السياسة عندنا، والقاها في غياهب القرون الوسطى وفي العصور البهماء الظلامية وما قبل. أكثر: انه الحزب في محاصرته لبيئته التي كانت تشع ثقافة وريادة ووطنية وحداثة وانفتاحاً، حولّها "قرية" مهيضة من الطقوس والشعارات الخشبية البائدة التي كان أجداد اجدادهم قد تجاوزوها. وهذه الحكومة مثله: اقل من حكومة لكن أقل من بلدية. بل أقل من "مخترة"! علاقاتها المتصارعة على خيرات البلد… ومنظورها السياسي وعقلية رئيسها والوزراء، (وخصوصاً جماعة عون الذي ما أزال أحاول البحث عن اثباتات لوجوده فعلاَ!) اكثر: ان تقاطع هذه الحكومة مع الربيع العربي، بثوراته العظيمة، دليل على انها باتت من موجودات الماضي "السحيقة" ومن متاع السالف والعابر؛ فكأنها ذكرى شاخصة. بل اقل من ذكرى. لا تتذكر حتى حاضرها، لأنها موشومة بطقوس الكهوف ومرجومة باللغات البائدة. فها هي تتبرج بالكلام المُملى عليها. تتبرج طاووساً.. وهي بغبغان. ولهذا، فاسماعها لا تتسع، ولا يمكن أن تتسع، لأي كلام جديد أو حتى متجدد، او حتى مستحدث. فكأنها في علاقتها المرجعية بالاقطاع الحزبي المذهبي (يذكرنا بالاقطاع الديني في القرون الوسطى)، وبالاقطاع السلطوي بأنظمة الطغاة. باتت بلا مرجعية واضحة وبلا موصول مديني، وبلا وشائج المعاصرة، ولهذا وكما فرضت الميليشيات على امتداد الحروب عندنا، اقطاعيات "مذهبية" صغيرة… فحزب الله وامتثالاً للنموذج الايراني للملالي، فرّخ وحدات "حزبية" وعشيرية لا تختلف كثيراً عما فرضه النظام السوري وحدات مذهبية ومخابراتية، شكلت بؤراً فقمع كل ما صنعت النهضة والقرن العشرون من قيم انسانية واجتماعية واخلاقية… وديموقراطية. انها قيم الانسان والمدنية والمجتمعات المدنية، ضربت في جوهرها لتخلف وراءها ظواهر التخلف والتراجع والعودة إلى الخطاب الرجعي، ضمن ذهنيات كأنها لم تصل إلى المدينة بيروت ولا إلى طهران ولا إلى دمشق.. أي لم تلمس حتى معاني "المدينة" بتكاوينها وافرازاتها وعلاقاتها وتشابكاتها. حكومتنا وعلى الرغم من حداثة "الملبس" والسيارات والمنازل والادوات ليست أكثر من "جماعة" منبثقة عن هذه "التكونات" المشوهة، المتقاطعة المتقادمة، المتجاورة، المتخلفة: انها تشبه من جانب مناحي "الطغيان" (المذهبي الحزبي) ومن جانب اخر نوافل الماضي، بفسادها وتراجعاتها وتنكراتها وعدم ادراكها لا معنى الوطن، ولا كحزب الولاءات ولا الحدود ولا الجمهورية. بذهنية "الجاليات" الاقطاعية وارتباطاتها تتعامل مع البلد. تماماً كحزب الله. تماماً كأنظمة الطغاة. كولاية الفقيه. كالبعثين العراقي والسوري. كالقذافي. كبن علي. كمبارك. كستالين.. انها فسيفساء من اقطاعية الماضي. ومن جمهوريات السابق. حكومة السابق المسبوقة حتى من السابق. حكومة لا سابق لها. بتفاهاتها وارتداداتها. واخلاقياتها… وماذا ننتظر من حكومة يحركها: حزب "سلفي" "اصولي" هو حزب الله! وماذا ننتظر من حكومة تحركها مخابرات النظام السوري! وماذا ننتظر من حكومة بلا اعضاء "محددين" حكومة موظفين عند الوصايتين. اي حكومة بلا وزراء! او وزراء بلا حكومة! يتصرفون بجبن من تحميهم الأسلحة والقمصان السود. انها حكومة الجثث المطيبة! حكومة الاقطاع الاستبدادي المذهبي في لبنان والاقطاع الاستبدادي المذهبي في سوريا وايران! انها حكومة تغتذي من دماء أطفال الثورات العربية، وخاصة السورية! حكومة تبني بقاءها على ركام المنازل والقرى والمدن التي تدمرها طائرات النظام البعثي"، وترسم خرائط سياساتها بانهار الدماء التي تسفك في دمشق وحلب وادلب ودير الزور وحمص… وبالمجازر المتنقلة التي لا توفر حجراً ولا بشراً ولا طفلاً ولا شيخاً ولا ما يدب ولا ما يتحرك.. حتى الأشجار والمحاصيل!
حكومة الجريمة هذه! معظم وزرائها منحازون إلى المجرمين، والسفاحين وها ميشال عون، (صاحب التاريخ الدموي المجيد، اللامع بهروبه، كغزلان البراري!) بدأ يدافع عن العميل ميشال سماحة… دفاعه عن العميل فايز كرم: فكم هو متخصص ومحترف وممتهن الدفاع عن القتلة والعملاء! (وكل عميل للعميل نسيب! بالاذن من امرئ القيس)…