منذ بضع سنوات، وفي لقاء لمجموعة من نواب المستقبل مع أمين عام حزب الله، أثناء فترة المبادرات الطوباوية لهذه الكتلة، ذكّر نصر الله أحد النواب، وهو طبيب معروف، بقضية حقيقية تخصه قائلاً:
"من الواضح أن عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري كانت عملية متقنة ومحضرة بعناية ودقة، وأنا أريد أن أذكر سعادة الدكتور بما قاله لأحد قادة القوات السورية في لبنان الذي أتاك للمعاينة الطبية بعد اغتيال الياس حبيقة عندما قال لك الضابط السوري: معقول يا دكتور أن أتهم أنا شخصياً، وبالتالي سوريا، باغتيال حبيقة وهو حليفنا؟!
فقلت له: لا، هذا افتراء وظلم، فلو كلفت المخابرات السورية باغتياله لكانت دمرت المباني حول موقع الانفجار، ولكان سقط عشرات القتلى والجرحى، ولكان خرج ايلي حبيقة من دون أن يصاب بأذى!؟ واستغرق الأمين العام مع الحضور بالضحك.
ليست القضية في مجال التندر فقط، فالمستغرب هو أن إحدى وسائل دفاع عباقرة حزب الله عن النظام السوري في قضية اغتيال رفيق الحريري هو أن المخابرات السورية أعجز عن أن تنفذ هكذا عملية، وبهذه "المهنية والاحتراف العاليين".
أما الشق الثاني من الدفاع فقد تركز على موضوع واحد تم تكراره لفترة طويلة "من المستفيد من هذه الجريمة؟", والمقصود هنا أن تكون ردة الفعل هي أن "إسرائيل المستفيد من هذه الجريمة" فجسم العدو "لبيس" وقد نسبت اليه بنجاح كل الأعمال القذرة التي مارسها العباقرة المقاومون والممانعون ضد معارضيهم أولاً، وضد بعضهم ثانياً.
أنا لا أسعى إلى تبرئة إسرائيل من مسألة الاستفادة من إلغاء رفيق الحريري من المعادلة السياسية في لبنان والمنطقة، ولكن المؤكد هو أن أطرافاً أخرى استفادت، أو خيل لها أنها ستستفيد من هذه الجريمة، والأهم هو من نفذها على الأرض مستدرجاً معه أطرافاً أخرى إلى ساحة الجريمة.
بين الفوهرر والدوتشي
تذكرني العلاقة القائمة بين نظام الولي الفقيه والوكيل المعصوم في إيران بنظام الزعيم الخالد والباقي إلى الأبد في سوريا، على مدى أكثر من ثلاثين سنة بالعلاقة التي جمعت أدولف هتلر وبنيتو موسوليني في الحلف الذي دمر العالم في الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من حاجة الطرفين إلى بعضهما، فقد كان للطرف الألماني الباع الأكبر في القوة والصلابة مقارنة مع ايطاليا. أما من ناحية تقييم كل طرف للآخر، فمن المعروف أن الأوساط النازية كانت تنعت حلفاءها الفاشيين بالقصور والتخلف والفشل مقارنة مع "مهنية ودقة وفعالية" الألمان. ولا شك أن نكاتاً مشابهة لما ذكرها أمين عام حزب الله كان يطلقها ضباط "الغستابو" على نظرائهم في أجهزة الأمن في ايطاليا.
والواقع الثاني المعروف هو أن الفوهرر لم يكن يحترم الدوتشي ابداً، لا بل كان يعتبره أدنى منه بدرجات وبأن حلف الضرورة معه هوعبء لا بد منه. في المقابل فإن كل المعلومات تؤكد كره موسوليني لهتلر، وإحساسه الدائم بالدونية تجاهه، ولكن الضرورة كان لها أحكام.
بين المعصوم والخالد
بالعودة إلى منظومة الممانعة التي جمعت نظامي الأسد والخميني في حلف واحد، فلا شيء يجمع الطرفين خارج إطار الاستخدام المتبادل.
فمن الناحية الشخصية كان الخميني يسعى إلى قيادة المسلمين تحت راية الولي الفقيه، في حين أن حافظ الأسد كان يسعى لزعامة تاريخية عربياً وعالمياً تحولت مع ابنه إلى مجرد ديكتاتورية صغيرة تسعى إلى البقاء في الحكم.
ومن الناحية العقائدية المعلنة فلا شيء يجمع عقيدة ولاية الفقيه الدينية مع عقيدة حزب البعث العلمانية.
وعلى الرغم مما أشيع عن التشابه المذهبي، فلا شيء إلا بعض القشور يجمع بين العقيدة الاثني عشرية التي تشكل قاعدة لاجتهاد ولاية الفقيه مع الرؤيا النصيرية المنسوبة خطأ إلى التشيع.
أما ما يجمع الإاثنين فهو الحاجة لإسرائيل لتسويغ مشروعيهما. فولاية الفقيه روجت لمشروعيتها من خلال العداء لإسرائيل، وبالتالي تسللت عقائدياً تحت شعار المقاومة وتحرير القدس وتدمير دولة إسرائيل.
أما نظام الاسد فقد بنى معظم أركان أبديته في الحكم على شعارات المواجهة مع إسرائيل. ولا مجال هنا لشرح كم استفادت إسرائيل من هذا العداء اللفظي والخطابي وحتى من خلال المواجهات العسكرية على المستوى الداخلي والعالمي، فلهذا مقال مستقل.
أما الخلاف الأهم فقد كان دائماً على ملكية لبنان، فعلى الرغم من التحالف الذي نسج بين آية الله الخميني وحافظ الأسد على خلفية العداء المشترك تجاه صدام حسين، خصوصاً بعد انطلاقة الحرب الإيرانية ـ العراقية، فإنه لم يخطر ببال حافظ الأسد بأنه سيشرع أبواب مستعمرته اللبنانية لتسلل الحرس الثوري الإيراني وما أصبح لاحقاً حزب الله. لكن النظام السوري سنة كان في أسوأ حالاته، فقد أصيب بضربة عسكرية قاسمة خلال الاجتياح الإسرائيلي عندما دمر سلاح جوه عملياً (سقوط طيارة في يوم واحد).
كما أن الوضع الداخلي في سوريا كان شديد الخطورة حيث كان النظام في حرب حقيقية مع الإخوان المسلمين.
سمح يومها حافظ الأسد بدخول الحرس الثوري الإيراني الطري العود يومها إلى البقاع والبدء بتأسيس فرعه اللبناني الذي أصبح اسمه حزب الله سنة عندما أعلن بيانه التأسيسي.
في طرابلس، خاض حافظ الأسد حرباً مع حركة التوحيد الإسلامي التي تبين لاحقاً المونة الكبرى لآية الله الخميني على زعيمها.
ابتداءً من العام انطلق الصراع الدموي الإيراني ـ السوري بالوكالة للسيطرة على القرار الشيعي المسلح في حرب دامت بضع سنوات بين حركة أمل وحزب الله كانت الغلبة فيها ميدانياً للطرف الإيراني. بعدها دخل هذا الصراع في مرحلة من التفاهم مبني على الحاجة الحيوية لكل من الطرفين للآخر، مع أن النظام السوري احتفظ عملياً بنوع من التفوق المعنوي بسبب وجوده في لبنان وسيطرته على القرارين الأمني والسياسي فيه. هنا كانت العلاقة مبنية على توازن دقيق فيه مزيج من المصالح والابتزاز المتبادل وحاجة كل طرف من الاثنين إلى الآخر في الكثير من الجزئيات مع العلم أن لكل منهما رؤية فكرية وسياسية واستراتيجية مختلفة وأحياناً متناقضة مع الآخر.
قصة رفيق الحريري
إن اتهام النظام السوري في لبنان بأنه هو من اغتال رفيق الحريري هو من البديهيات المنطقية، وكان بإمكان أي محلل ومتبصر في السياسة أن يتوقعه، وإن لم يكن بالإمكان تقدير حجم ردود الفعل يومها. فالنظام السوري جسمه "لبيس" في قضايا الإرهاب، ومخابراته مشهورة بالعمليات القذرة وله بصمات معروفة في لبنان على مدى عدة عقود.
فهل كان هناك من يسعى إلى استدراج كل ما حصل بعد هذه الجريمة؟
لقد تبين لاحقاً، وبالأدلة الجنائية، بأن عناصر منتمية لحزب الله هي المتهمة على الأرض بتنفيذ عملية الاغتيال، "وبمهنية عالية" أين منها "غباء المخابرات السورية" بحسب تحليل نصر الله. ولكن المؤكد هو أن نظام بشار الأسد كان عالماً ومشاركاً في الجريمة ولكنني أعتقد أيضاً بأنه كان مستدرجاً للوقوع في فخ تداعياتها.
وهنا يمكن التأكد بأن نظام بشار كان متضررا بشكل مباشر لأنه أجبر على الخروج من لبنان بشكل مذل وهو الذي دخله في الأساس بعد انتداب أميركي ومباركة اسرائيلية موثقة ومعروفة. فهل كانت منظومة ولاية الفقيه تخطط لفض الشراكة في لبنان مع النظام السوري والتفرد به ومن هو إذاً المستفيد المباشر من تداعيات الجريمة!؟
هنا بعض تفاصيل القضية. من المؤكد أن دفاع حزب الله عن النظام السوري، حين اتهم سياسياً على الأقل باغتيال رفيق الحريري، كان ركيكاً وغير عدواني، كما أن هذا الحزب لم يتورع عن الدخول في تحالفات وشراكات في الانتخابات وفي الحكم مع من اتهم النظام السوري وحتى من وجه أقذع النعوت إلى رأس هذا النظام.
ومن المنطقي الاستنتاج أن حزب الله، وبالتالي مشروع ولاية الفقيه كان مستفيداً رئيسياً من خروج القوات السورية ليتحكم وحده في عناصر السيطرة وليصبح النظام السوري أكثر تبعية للتوجيهات الإيرانية.
لم يطل الزمن إلى أن شعر بشار الأسد بالخديعة، فما كان منه إلا أن أرسل ميشال سماحة ليسرب المعلومات المشهورة إلى مجلة "در شبيغل" التي اتهمت حزب الله بجريمة اغتيال رفيق الحريري، وفي الوقت نفسه فتحت قنوات مع إسرائيل وفرنسا ومن ثم مع السعودية، وكان بشار الأسد قاب قوسين من إنجاز اتفاق "تاريخي" طبقه الأساسي حزب الله في لبنان والوجود الإيراني في سوريا، لدرجة أن رأس النظام السوري صرح في مجالس ضيقة بأنه بات يخشى على نفسه من مصير يشابه مصير أنور السادات من قبل جماعات إيران المتغلغلين في سوريا على أعلى المستويات الأمنية.
لست أعلم الآن كيف سقط هذا الاتفاق، ولا يمكنني التأكيد على مدى صدقية بشار الأسد في هذا المجال، ولكن المؤكد اليوم هو أن النظام الإيراني لا يدافع اليوم عن بشار الأسد لمحبة أو احترام بل لأنه لن يجد رئيساً في سوريا أضعف منه ولأن منظومة ولاية الفقيه تعتبر سوريا جزءاً من مشروعها المقدس لذلك فقناعتي أن هذا النظام سيدخل في شكل أكبر إلى لب الصراع لأن خسارة سوريا بالنسبة لإيران اليوم قد تكون مشابهة لخسارة إيطاليا بالنسبة لألمانيا في الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فإن النظام في إيران سيجد أن المعركة بعدها ستنتقل إلى أراضيه، وبأدوات داخلية صرفة، عندما يدرك الإيرانيون المأخوذون بالأساطير بأن وعد أحمدي نجاد بأن المهدي لن يسمح بسقوط بشار لم يكن صادقاً.