مقاربة مشروع السلسلة بارتجالية أوقع الحكومة في الإرباك والعجز عن توفير الموارد المالية
نقاشات و تعديات تنتظر المشروع في المجلس النيابي و تطيل أمد إقراره أكثر مما هو متوقّع
في ظل الصعوبات التي تعترض تحقيق النمو المطلوب لتوفير تغطية تكاليف «السلسلة» كان الأجدى للحكومة إغلاق البحث بالموضوع منذ البداية
لم تستطع الحكومة الميقاتية من تأليفها وحتى اليوم في مقاربة أي موضوع أو مسألة سياسية أو أمنية مهمة أو مشروع أو قضية مطلبية أو اجتماعية ملحّة ما بالأساليب والطرق التي تعتمدها الحكومات في مثل هذه الحالات للتوصل إلى وضع وإقرار الحلول والمعالجات المطلوبة لها بشكل طبيعي يحقق النتائج المرجوة منها لمصلحة المواطنين عموماً، بل كانت مقاربة أي قضية أو مشروع من المشاريع المطروحة تمر في جلجلة طويلة عريضة من التجاذبات والمناكفات الناجمة في معظم الأحيان عن تحقيق مصالح وغايات شخصية وحزبية ضيقة، أو قلّة خبرة في تولي السلطة وإدارة الشأن الحكومي على وجه العموم كما حصل في مقاربة مسألة إعادة تأهيل التيار الكهربائي واستئجار البواخر، والتعاطي مع وضع نسب غلاء المعيشة في القطاع الخاص وقضية الصرف الحكومي والموازنة، والتعيينات على اختلافها، وحالياً مسألة سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام، وهو الأمر الذي يؤدي في معظم الحالات إلى تآكل الفائدة المتوخاة من إقرار مثل هذه المشاريع ويزيد من تدهور صدقية الحكومة وهيبتها لدى الرأي العام كما يحصل في الوقت الحاضر جراء التخبط وعدم وضوح الرؤية في وضع الأسس الضرورية لتأمين أكلاف السلسلة المالية وتجنّب حدوث تداعيات سلبية على الوضع المالي العام جراء إقرارها ووضعها موضع التنفيذ في ظل الوضع الاقتصادي والمالي الحساس والدقيق الذي يمر به لبنان في الوقت الحاضر بفعل الاوضاع المتردية بالمنطقة والعالم. فاقرار مشروع سلسلة الرتب والرواتب في مجلس الوزراء وتأجيل البت بمصادر التمويل في انتظار البحث عن هذه المصادر لاحقاً، يعني ان الحكومة قاربت المشروع المذكور بتسرعٍ وارتجال لامتصاص نقمة نقابات المعلمين واطفاء تهديداتهم المتواصلة بالاضراب وتعطيل العام الدراسي الذي اصبح على الابواب، في حين تتطلب مقاربة هذه المسألة المهمة والضرورية مزيداً من التحضير والدراسة المتأنية بكل شاردة وواردة لوضع الأسس المطلوبة لاقرارها بأقل قدر من التجاذبات وبادنى كلفة من الضرائب والرسوم على المواطن، لكي تتحقق النتائج المتوخاة منها في رفع مستوى عيش العاملين في القطاع الوظيفي العام، ولا تؤدي الى اي تداعيات سلبية على الوضع النقدي والاقتصادي العام كما حصل لدى اقرار الزيادات على غلاء المعيشة أبان حكومة الرئيس عمر كرامي، في مطلع تسعينات القرن الماضي بشكل يفوق قدرة الدولة المالية آنذاك، مما ادى الى تذهور الوضع المالي والاقتصادي بشكل دراماتيكي اطاح بكل مفاعيل الزيادة وتتطلب معالجة هذا التردي سنوات وسنوات حتى تمكن لبنان من تجاوز مؤثراتها السلبية.
فالكل يجمع على اهمية اقرار سلسلة الرتب والرواتب للنهوض بالقطاع العام عموماً وتمكينه من مواكبة حركة الدولة والحكومة للقيام بالمهمات المنوطة بها في ادارة شؤون الدولة العامة، ولكن اذا كانت الظروف الاقتصادية والمالية العامة غير مؤاتية لاقرارها في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة وفي ظل الصعوبات التي تعترض تحقيق النمو المطلوب لتوفير الايرادات المطلوبة لتغطية تكاليفها وتأمين الحد الادنى من التوازن اللازم، كان الأجدى للحكومة منذ البداية اغلاق البحث بهذا الموضوع بشكل تام مع كل من كان يطرحه بالرغم من كل الضغوطات والتهديدات بالاضرابات وما شابه، وتوفير التغطية الحكومية المطلوبة لمثل هذه الخطوة من قبل مجلس الوزراء مجتمعاً، تحسساً بدقة الظروف القائمة وإظهار عدم تحمل مالية الدولة مقاربة مثل هذه المسألة في الوقت الحاضر، لكانت كل الضغوطات ذهبت أدراج الرياح ولما عرّضت الحكومة نفسها للوضعية القلقة التي تعيشها في الوقت الحاضر، جرّاء عدم قدرتها على توفير الايرادات المالية المطلوبة لتغطية نفقات السلسلة وهو الأمر الذي يمهد عملياً للاستدانة وإضافة أعباء جديدة على المديونية العامة للدولة وعلى كاهل اللبنانيين في النهاية.
ولكن الحكومة وقعت في شر وعودها المرتجلة للمعلمين بإقرار السلسلة على أمل ان تبقى هذه الوعود وعوداً بهدف امتصاص نقمة نقابات الأساتذة في النهاية ومن ثم يتم التأجيل تلو التأجيل حتى «يقضي الله أمراً كان مفعولا» وتتهرب الحكومة من الايفاء بوعودها المقطوعة إن كان بالمماطلة او بالاستقالة. ولكن حسابات البيدر لم تتطابق مع حسابات الحقل، ووقعت الحكومة في كماشة مطالب المعلمين ولم تستطع التهرب من وعودها كما فعلت في الكثير من المسائل والمطالب الأخرى، واضطرت في النهاية إلى طرح المسألة عشوائياً على مجلس الوزراء، مما أوقعها في حال من الإرباك والتخبط جرّاء عدم وضع الأسس المطلوبة لاقرار السلسلة بشكل كامل ومدروس، وهو ما يؤشر الى مسيرة طويلة وشاقة لمشروع السلسلة، لن ينتهي حتى ولو اقره في مجلس الوزراء بكامل مقتضياته المالية قريباً، بل سيتعرض الى جلجلة من النقاشات والتعديلات في المجلس النيابي، مما يأتي على أكبر قدر من الفائدة المتوخاة منه في النهاية وعلى حساب العاملين في القطاع العام.