#dfp #adsense

السرية المفقودة من اليوم الأول

حجم الخط

صُعق اللبنانيون لدى معرفتهم بخبر توقيف الوزير السابق ميشال سماحة بعدما ضُبط بالجرم المشهود يخطط لتفجيرات كادت، لو حصلت، أن تودي بلبنان إلى المجهول، إن لم نقل بأتون حرب طائفية أو مذهبية.

منذ ذلك التاريخ راحت وسائل الإعلام تتناقل الخبر، وتتسابق في إطار السعي لإطلاع الرأي العام اللبناني العربي والدولي على ما وصل إليها من هنا وهناك من معلومات حول صحة ما يتمّ التداول به من معلومات، وعمّا أفضى إليه التوقيف على ذمّة التحقيق، فراحت تنسب للوزير ما قد يتهم به فعلاً، وإن معظم ما كان يُثار في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب تبيّن صحته لاحقاً، بعد أن نشرت صحيفة الجمهورية في عددها الصادر بتاريخ 26/8/2012 هذه التحقيقات، حيث جرى استدعاؤها للمثول أمام قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية في بيروت في اليوم التالي، بتهمة نشر تحقيقات قضائية لا تزال في إطار السرية !

وفي حالات مماثلة أَطلعَت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني الرأي العام على فيلم مصوّر (فيه الكثير من المونتاج) للتحقيقات التي أجرَتها مع الدكتور توفيق هندي الذي أوقِف مع مئات من الشباب المعارضين للوجود السوري في لبنان في 7 آب عام 2001، وكان هذا التحقيق يفترض أن يكون سرياً لكونه بعهدة قضاء التحقيق، ولم يعترض أحد على ما حصل لجهة عدم وجوب تسريب أو نشر معلومات قضائية لا تزال في إطار السرية.

وفي المرحلة التي تمكنت فيها مديرية المخابرات وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي من توقيف عشرات الأشخاص بتهمة التعامل مع إسرائيل، سُرّبَت أيضاً كل هذه التحقيقات، حتى أن بعض المواقع الإلكترونية، لا سيما تلك التابعة لـ"حزب الله"، نشرت كل هذه التحقيقات حتى قبل وصولها إلى المحكمة العسكرية، وكان يَلي هذا النشر تحريض على وجوب إعدام المتهمين من دون انتظار انتهاء محاكمتهم. عندها أيضاً، لم يَثُر أحد مسألة نشر معلومات قضائية كانت لا تزال متمتعة بالسرية.

في قضية سماحة العالقة حالياً أمام قاضي التحقيق العسكري، وبعد اطلاع رئيس الجمهورية على خلفيات وجدية الأدلة التي تبرّر توقيفه، ثم محاكمته، أعلن الرئيس سليمان للرأي العام اللبناني عن قلقه وذهوله لِما كان يعدّ له الوزير السابق من أعمال إرهابية وفتن طائفية، وهذا ما أبداه أيضاً البطريرك أثناء زيارته عكار.

هكذا يتبيّن أن هذه المعلومات خرجت من طابعها السري إلى الطابع العلني، إذ ربما لم تبقَ وسيلة إعلامية واحدة إلّا ونشرت قولاً أو كتابة التسريبات حول ما تمّ التحقيق به مع سماحة، ما أخرج هذه المعلومات من طابعها السري إلى الطابع العلني.

وعليه، هل من داعٍ للحديث عن السرية في ظل العلنية التي رافقت هذه القضية (منذ تاريخ توقيف سماحة)، كونها، وممّا لا شكّ فيه أنها ستشكل القضية الأبرز على الصعيد القضائي الداخلي التي من شأنها أن تلقي الضوء على الكثير من الاغتيالات، وعلى طبيعة العلاقة اللبنانية السورية، حيث كان النظام في سوريا يتعامل مع الشعب اللبناني على أساس زواج متعة بدلاً من علاقة الأخوة الحقيقية على قاعدة الندية بين دولة ودولة.

وعليه، هل يصحّ والحال هذه إثارة موضوع تسريب معلومات سرية تداولتها الألسن والأقلام منذ لحظة التوقيف؟ وإذا اعتبرنا أن هذه المعلومات تتمتع بالسرية فهل يَسري الاتهام على هذه الجريدة وعلى كل من سرّب هذه التحقيقات بشكل أو بآخر؟ وفي حال سلّمنا جدلاً بأنّ هذه المعلومات لم تعد سرية، فإننا نكون قد لامسنا الواقع وقاربناه أكثر من مجرد اعتبار هذه المعلومات مسرّبة، فالتسريب يحصل في أعلى المحاكم الدولية، هكذا حصل في يوغوسلافيا والمحكمة الخاصة بلبنان وفي مختلف قصور العدل وفي مختلف أنواع الدعاوى التي تهمّ الرأي العام.

لذلك، وقبل البحث عن المسؤولية، يقتضي التوقّف عند معرفة ما إذا كانت هذه المعلومات المنشورة لم تزل تتمتع بالسرية أم لا؟ بما لا يضع فِعل هذه الجريدة في إطار نشر معلومات قضائية سرية بل معلومات سَبق أن أثيرت في الإعلام وعلى لسان كبار المسؤولين الرسميين والروحيين والسياسيين، ما يجعل من عامل السرية مفقوداً للقول إن هناك من انتهك هذه السرية، إذ إنّ ما نُشر من تحقيقات عن سماحة علمَ به القاصي والداني منذ لحظة التوقيف، فكان الأصح القول إن نشر التحقيقات جاء ليؤكد كلّ ما أثير عن سماحة لجهة ما قام به من أفعال، من دون البحث بانتهاك السرية التي باتت علنية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل