في حيويّتها المتجدّدة، وانطلاق دوريّاتها "التشاوريّة"، تطرح نُخب "14 آذار" أسئلة حارّة حول مصير لبنان، وعن مسؤوليّتها في منع انهياره كوطن ودولة، وسبل إنقاذه من ورطة حكومته والمتحكّمين بقراره.
وتكاد بعضُ الأسئلة تتحوّل إلى نوع من جلْد الذات، عن غياب الرأي والرؤية والمشروع، والعجز في المواجهة.
إذا كان صحيحاً أنّ تقاعساً ما حصل في الحركة، مع أخطاء في التقدير والتوقيت، وأنّ انقطاعاً، أو تقطّعاً جرى بين الرأس والجسد، في مراحل حسّاسة خطيرة، فإنّ البحث عن مشروع لـ"14 آذار" ليس في مكانه، ولا لزوم لكلّ هذا العصف الفكري والطحن الذهني وتكسير الرؤوس، سعياً إلى مجسّم سياسي لا يُمكن تكوينه في خضمّ التحوّلات التاريخيّة في سوريّا والمنطقة، ولبنان حكماً.
من الصعب تركيز نقاط ثابتة جديدة في حالة متحرّكة. فالنقاط الثابتة موجودة وقديمة ومتمادية، وهي ثوابت "ثورة الأرز"، أي العناوين الحاملة للقيم والأهداف غير القابلة للتفسير والتجيير والتنازل: مرجعيّة دولة الحقّ والقانون، السيادة والاستقلال، الحريّات والديمقراطيّة، العدالة والمساواة، العيش معاً وحقوق الانسان، الشرعيّتان العربيّة والدوليّة، العلاقات النديّة بين لبنان وأقرانه والتعامل بالمثل …
هذه الثوابت – الركائز لا يجوز المساومة عليها، كائنةً ما كانت نتائج التحوّلات، وكائناً ما كان الحكم الآتي إلى سوريّا وغيرها، وكائنةً ما كانت قوّة "حزب الله" وانقلاباته.
لذلك ، لا مجال لبحث أيّ مشروع من خارجها، أو موازٍ لها. وما يحقّ لـ"14 آذار" وسواها، هو البحث في التكتيك لبلوغ هذه الأهداف، وتأمين وسائل تنفيذها. والبحث في الوسائل لا يستوجب مشروعاً سياسيّاً بديلاً، أو استنباط أهداف وثوابت جديدة.
حين انطلقت النهضة العربيّة الأُولى، في القرن التاسع عشر، لم يضع النهضويّون العرب، وفي طليعتهم المسيحيّون، مشاريع ورقيّة جاهزة ومبرمجة، بل خاضوا غمار التجديد والتحرّر بحرارة الإيمان ونقاء الإرادة والثقة بالحقّ واستقامة التفكير.
ما ينقص 14 آذار وكلّ اللبنانيّين النهضويّين اليوم، هو استرجاع روح الانتفاضة بثلاثيّة الإيمان والإرادة والثقة. لم يجلسوا في المكاتب المقفلة ويضعوا مشروع الثورة في ساحة الحريّة. الثورة عصفت في قلوبهم وعقولهم ولحقوا بها إلى الميادين. وهذا ما فعله ويفعله العرب من مغربهم إلى المشرق، فسوريّا. ولا يحقّ للبنان، السبّاق إلى اللحظة الأُولى، أن يتخلّف في ربع الساعة الأخير.
هذا ما تفعله الآن "14 آذار"، خارج منطق المشاريع والخطط المخبّأة. بل في صلب العمل الجاد، بخطوات بسيطة وصغيرة، والربح بالنقاط، طالما أنّ مشروع لبنان موجود الآن في الدستور والقوانين والمؤسّسات. فلماذا البحث عن الظهيرة عند الرابعة عشرة ؟ والتطوير هو فعلٌ يومي مفتوح وليس وصفة جاهزة .
وما يوفّر على "14 آذار" عناء التفتيش النظري عن مشاريع، ليس فقط وجود مسبق لمشروع لبنان وثورة الأرز، بل تهالك المشروع النقيض للبنان في معناه ودوره ورسالته، أي مشروع المحور الإيراني – السوري الذي سعى " حزب الله " إلى تطبيقه منذ 2006، على الأقلّ.
لم يعُدْ خافياً أنّ المشروع النقيض بات يعلك ذاته، ويراوح، قبل أن ينهار.
والجميع يرى بأُمّ العين كيف تتساقط أحجار من زوايا بنيانه، إمّا بتهافت ذاتي، كالأجنحة العشائريّة والفوضى الداخليّة وصراع الحلفاء، نموذجاً. وإمّا بتفكيك بعض خلاياه الحربيّة التفجيريّة، كخليّة مملوك – سماحة وبؤرة الحمرا، نموذجاً آخر.
وأفضل وصف لهذا المشروع، أنّه متين من فوق، عنين من تحت. ولا نقول من نمور الورق. هل هذا يعني النوم على حرير ارتباك "حزب الله" ومشروع طهران – دمشق؟
في الواقع، مثل هذه المشاريع المدجّجة بالسلاح والعقائد المقفلة، تُصبح أشدّ خطراً وشراسة في مرحلة سقوطها، والأمثلة شاهدة بقوّة من هتلر إلى تشاوشسكو وميلوسوفيتش والقذّافي، إلى الأسد. فالكوارث الأفظع دمويّةً هي في أرباع ساعاتهم الأخيرة.
وما على أحرار لبنان إلاّ اليقظة، والعمل المدروس لملاقاة التغيير وتحويله إلى حالة لبنانيّة، في الحلقات التشاوريّة وخارجها. وليربحوا بالنقاط، طالما أنّ الضربة القاضية صعبة المنال.
وقد ربحوا، فعلاً، نقاطاً كثيرة، في الأسابيع الأخيرة.
وأنجح المشاريع ما لا يبقى في المربّعات السوداء، بل ما يمشي، ولو ببطء، تحت الشمس.