أيها السادة..
موضوعُنا اليومَ هو "دورُ لبنانَ في نهضةِ العالمِ العربي الجديد" .
أزعُمُ أنْ لا مجالَ لمُقاربةِ هذه المسألة إلاَّ في ضوءِ ملامسة "دور لبنان في النهضة العربية" في بدايةِ انحلالِ السلطنة العثمانية. هذا الدور الذي تجلّى في إبداعاتِ المفكرينَ والأدباءَ والفنانينَ والموسيقيينَ والمسرحيينَ اللبنانيين، وسواهم من مُبدعين، شكَّلوا جِسراً عبرتْ فوقَه الحضارةُ الانسانية من الغرب الى الشرق وبالعكس.
اسمحوا لي أن أقول: إنَّ نهضة بيروت كعاصمة ثقافية بنكهةٍ عربيةٍ أوروبية ما كانت لتكون لولا نمو "الفكرة اللبنانية" و "فكرة العروبة العِلمانية الديمقراطية"، وما قدمته هاتان المدرستان الفكريتان منذ نهاية القرنِ التاسع عشر، من صيَغٍ واقتراحاتٍ لأنظمةِ حكمٍ جديد تراعي مكوِّنات الكيانات والهويات المختلفة… ولعلَّ أبرز تلكَ الصيغ: القومية بما هي بديلٌ عن الأوتوقراطية أو التوتاليتارية. وقد كان للمفكرينَ اللبنانيينَ الباعُ الطويل في إرساءِ ركائزِ تلك القومية (سواءٌ منها: اللبنانية أو العربية).
هذا فضلاً عن أنَّ لبنانَ كان من أوائلِ مَنْ أرسى مفهومَ "الدولة" بما هي مؤسساتٌ عصرية شكلت نواتُها نموذجاً يُحتذى به.
إذا كان مفهومُ الدولةِ قد أُصيبَ، خلالَ القرن العشرين، بأعطابٍ وتشوُّهات، فإنَّ التحوُّلاتِ الكبرى، والتغيُّراتِ الجذرية التي تجتاحُ المنطقة العربية تُشكلُ فرصةً حقيقيةً لإرساءِ الدولِ العتيدة على أسسٍ صلبة، قوامُها الديمقراطية وهاجسُها حقوقُ الانسان.
هذا التحدي مطروحٌ على الفرد والجماعة والكيانات . إنه تحدٍّ يومي، لا بل لعلَّه صراعُ إراداتٍ بينَ أصحابِ التطلعاتِ التقدمية المعاصرة وبين أهلِ الظلمة. فهل ينجحُ الأوَّلون؟ .
نقول: تختلف الآراء حولَ مستقبل المنطقة، وهذا الاختلاف طبيعي، ذلكَ أنَّ ما نَشهدُه، وما نَشهدُ عليه، هو من طبيعةٍ جديدة؛ إذْ إنَّه لم يسبِقْ لجيلِنا على الأقلّ، أنْ شَـهَـدَ لانتخاباتٍ حرةٍ في ليبيا ومصر، ولا لِثورةٍ شعبيةٍ بوجهِ نِظامٍ حديديٍّ كالنظام السوري.
هذا الاختلاف يُبيِّنُ أنَّ تأكيدَ البعض بأنَّ المستقبلَ سوفَ يكونُ زاهراً ربما يكونُ تأكيداً مُفرِطاً في التفاؤل.. وبالمُقابل، فإنَّ تأكيدَ البعضِ الآخر أنَّ التغييرَ المنتظَر إلغائيٌ ومصدرُ عنف، ربما يكونُ هو أيضاً تأكيداً مُفرِطاً في التشاؤم.
فهل هناكَ حقاً نهضة عربية جديدة يُمكن للبنانَ أن يُساهِمَ فيها؟ وكيف؟
أم إنَّ هناكَ نهضةً ما يستطيعُ لبنانُ صناعتَها؟ وكيف؟
ويبقى السؤالُ المركزيُّ الشامل: ما هو دورُ لبنانَ في هذا العالم العربي الجديد؟
عسى أن نُلاقي بعضاً من جواب في ما سوفَ نسمعُه ونناقشُه في هذا اللقاء الثمين.
فأهلاً وسهلاً بالجميع
