#dfp #adsense

كلمة الاستاذ غياث يزبك في مؤتمر “دور لبنان في نهضة العالم العربي الجديد” في معراب

حجم الخط

 

الحضور الكريم،

لقد شرّفني منظمو هذه الندوة بدعوتهم لأحاضر أمام مَجمعكم الراقي، ولا اخفيكم أن قلًقا، كالذي ينتاب التلميذ عشية الامتحانات انتابني. أولا لتهيّبي واحترامي إنصاتكم إلي واختباري. وثانياً، للموضوع الصعب والشائك، ودعوني أقول الحميم، الذي طلب إلي معالجته، ذاك أنه ليس سهلاً علي أن أقف ناقداً أداء الاعلام اللبناني وما إذا كان بنو جنسي لعبوا جيداً أدوار الرجال في تلقيح براعم الثورات التي أنتجت الربيع العربي.

الحضور الكريم،

سأقسم مطالعتي إلى ثلاثة أبواب:

• الباب الأول :
– لمحة تاريخية عن دور الاعلام :
لا أريد أن أخوض وإياكم في التفاصيل التاريخية، وانتم تلمون بها جيداً، لكن استعراضها واجب للإضاءة على الندوب و الجروح العميقة التي تركتها الاعتداءات السافرة إن من قبل سلطات الداخل أو بفعل اجتياحات الإقليم لمهنة الاعلام ولأهله من جهة، أو لتخلي أهل الصحافة عن مبادئهم باستسلامهم للترغيب والترهيب من جهة ثانية. هذا الواقع أثر في قدرة الصحافة اللبنانية على لعب دورها التغييري في لبنان وفي العالم العربي.
والحقيقة ان ظواهر التراخي والتحلل لم تبدأ أمس، بل هي بدأت بُعيد قيام لبنان الكبير وسلكت منحى مَرضيا إنطلاقا من الاستقلال عام 1943. علما أن لصحافة ذلك الزمان أيادٍ بيضاء في تحقيق الانجازين التاريخيين، وفي نقل عدوى التحرر إلى دول المحيط. إلا أن جنوح كل هذه الدول، بعيد نيلها استقلالاتها، ما عدا لبنان طبعا، إلى إرساء ديكتوتارياتٍ ومَلكياتٍ حديدية أوقعت العالمَ العربي تحت احتلالات من نوع آخر يصعُب التحرّر منها تحت عناوينَ دينية أو إتنية أو عرقية. من هنا وجب التصدي للتحديات الناشئة من خلال المناداة بمبادىء الديموقراطية وحقوق الانسان وقدسية تداول السلطة، والأهم احترام التنوع والإنصات إلى وجع الناس :الذي يختصر باللاتينية بأربع كلمات :
"صوت الشعب هو صوت الله" Vox Populi Vox Dei .
انطلاقاً من الواقع المستجد وجد الاعلام اللبناني نفسه أمام ثلاثة تحديات رئيسية : تحصين المكتسبات التي منحه إياها الدستور اللبناني، تطوير نفسه لإيجاد المضادات الحيوية المحاربة لفيروسات التخلف والظلامية التي سيطرت على دول المحيط، وإستنباط المفردات الملائمة والأفكار الخلاقة لبثها في العالم العربي تسهيلا لتصدير ألِفباء الديموقراطية إليه. إلا أن سوء أداء الدولة اللبنانية وتفريط السلطات المتعاقبة على الحكم في لبنان بقدسية حرية الاعلام، سرعان ما أفقدا الاعلام ريادته الوطنية و القومية وضخت في جسده جملة أمراض عضوية، تبدأ بالغرق في حبائل المذهبية والطائفية والتبعية لرؤوس الأموال، والاستتباع للسلطة، ولا تنتهي بالانصياع لدول المحيط سياسياً وعقائدياً ومادياً.
بحيث أكل التصحر الفكري، المصنوع منه في لبنان والمستورد من الجوار، أخضر الصحافة اللبنانية الناشئة. وها هي تنقسم على ذاتها عند كل المحطات التاريخية المفصلية التي خبرها لبنان، أكثر من ذلك، لقد شهد جسم الصحافة العليل هذا نمو فطريات صحافية ممَوّلة من الخارج تأخذ من أرض لبنان الممزقة مركزاً ونقاط انطلاق، تُجَوِد للخارج وتنفث في لبنان سموماً قاتلة أتت على ميثاقيته وعلى تعدديته وعلى دوره القائد وعلى رسالته في العالم العربي. أكثر من ذلك وأخطر، لقد اكتشفت الديكتاتوريات الناشئة حولنا وبحركة غريزية مخاطر وجود الحرية في لبنان، وتحديداً الاعلامية منها، فجرّدت عليها شتى أنواع حملات الترغيب والترهيب، فاشترت ذمم صحافيين أفراداً ومن ثم وضعت يدها على بعض المؤسسات ودجنت وامتلكت كليا أو جزئيا نقابتي الصحافة والمحرّرين. ولعل ذروة الفجور كانت في عام 1977 عندما فرضت القوات السورية، أو ما عرف دجلا بقوات الردع العربية، فرضت على الحكومة اللبنانية الوليدة بعد حرب السنتين القانون 1على 77 أو قانون الرقابة على الاعلام ، فصرنا كما في عصور الظلام نرى رقيباً شبه أمّي في الأمن العام يشطب مقاطع من افتتاحيات غسان تويني ورفيق خوري وكبار صحافيي تلك الحقبة.
ترافق ذلك مع اغتيال كوكبة من الصحافيين الأحرار وتهجير مؤسسات بأكملها إلى الخارج، والتضييق على أخرى مادياً بقطع العائدات الإعلانية عنها ما أدى إلى إقفالها. واكتسبت معركة السيطرة على الإعلام بعداً أخطر بعد اتفاق الطائف بكسر حصرية البث التلفزيوني و توزيع رخص البث على قواعد طائفية مقرونة بعهد الصمت عن ارتكابات الاحتلال وعدم مقاربة الواقع السوري ومن خلاله الواقع في العالم العربي. إضافة إلى فرض تشريعات وشروط "مسكوبية" على إنشاء محطات جديدة. ترافق كل هذا مع ترهيب الاعلاميين اللبنانيين وإقفال فرص العمل في وجوههم ما دفعهم إلى الهجرة وأفقد لبنان فرصة أن يكون مدينة العرب الاعلامية media city وأفقده فرصة التأثير المباشر والفاعل في مجرى الأحداث التي سيشهدها العالم العربي في ما بعد.

• الباب الثاني :
– إلامَ أدى هذا الواقع وهل حد من تأثير الاعلام اللبناني في استنهاض ما عرف بالربيع العربي؟

بالطبع لقد أثر قمع الحريات على قدرة الاعلام اللبناني، لكن حلول عصر البث الفضائي وأخذ التلفزيونات اللبنانية موقع السبق في هذا المضمار، أدّيا من حيث لا يدري الاحتلال ولا الديكتاتوريات، إلى نقل النموذج الاجتماعي اللبناني أولا ومن ثم نموذجه الثقافي إلى العالم العربي مترافقين مع كل زركشات الطيف اللبناني من ملبس ومأكل إضافة إلى نقل الواقع السياسي اللبناني، الملتبس من دون شك، ولكن الجديد بتفاصيله وتلاوينه ووسائل تعبيره، والتي تبطن كلها تنوعاً في الرأي : انتخابات نيابية وبلدية ورئاسية وسجالات سياسية وتظاهرات وتظاهرات مضادة ومطالبات بإطلاق السجناء السياسيين وإعادة المبعدين والمنفيين إلخ من الحراك المحجوب والممنوع في العالم العربي. كل هذا جذب المُشاهد العربي وأغراه بحيث بدأ يسأل نفسه : "لماذا أنا محروم من كل هذا" ؟. وهنا أورد مثل الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي عام 2001 ، وما رافقها من اعتداء سافر للسلطة على نتائجها وكيف سرق التسلط المقعد النيابي من النائب كبريال المر.
صدقوني إن هذه الانتخابات التي كانت تنقل مباشرة عبر الأقمار الصناعية، استمطرت آلاف الإتصالات المتضامنة والمؤيدة للمر بما يمثله من قضية حق، من مصر والسودان ودول الخليج كلها. الأمر الذي أشر إلى أن إسقاطات هذا الحدث والعشرات غيره لا بد ستزهر تسوناميات وعواصف حرية ستجتاح العالم العربي.
إلا أن التأثير الآخر والمباشر الذي أحدثه النموذج الاعلامي اللبناني في العالم العربي، أخذ مداه الأقصى بنداء المطارنة عام 2000 و بإغلاق تلفزيون الـmtv بعد تنفيذه الانقلاب المضاد والمتلفز في السابع من آب، ومن ثم بموجة الاغتيالات التي طاولت قادة الرأي والسياسيين وفي مقدمهم جبران تويني وسمير قصير وقبلهما الرئيس رفيق الحريري، وبالتظاهرات المليونية المطالبة بالاستقلال و الحرية التي اجتاحت لبنان وبالاستديو المزركش بالوان الحرية الذي بنته الحشود بأجسادها في ساحة الحرية.
إلا ان الدور الإيجابي الذي لعبه بعض الاعلام اللبناني لم يكن كافياً وظل خجولا لو لم يعطه اللبنانيون الأحرار الحماية والحجة لتغطيتهم عندما نزلوا إلى الساحات بالالاف مرغمينه على أن يكون صورتهم وصوتهم، والاشارة هنا واجبة إلى أن التلفزيونات والصحافة اللبنانية لم تكن كلها تتحرك من منطلق الراعي المتبني لفيروس الحرية بل هي غطت ما يجري بدافع النقد والنقض وكي لا تخرج من سباق استقطاب المشاهدين. ولا بد لي هنا من التذكير بأن المنادين بالحرية من الصحافيين لم يكن عددهم يتجاوز أصابع اليد الواحدة أما المؤسسات الحرة فاقتصرت على صحيفتين وتلفزيون. ولكن في مختلف الأحوال لقد زوّد النقل الفضائي لمشهد الحرية اللبناني، عيدان ثقاب وجرعات من الأدرينالين إلى كل المظلومين والمقهورين على امتداد العالم العربي، كان الشهيد التونسي "أبو عزيزة" أول من تجرأ على استعمالها فأحرق نفسه كفّارة عن كل المقهورين فسرت نار الحرية التي انطلقت من جسده النحيل في هشيم الظلم مضيئة سماء العالم العربي ومحطمة أقفال السجن الكبير.

• الباب الثالث :
– العبرة والرسالة :
الحضور الكريم،
لتكتمل الصورة العلمية لهذا البحث وبأبعادها الثلاثية، لا بدَّ من الإشارة إلى أن اختراقات الاعلام اللبناني ومن بعده الاعلام العربي ظلت محدودة وقد تحققت بأثمان عالية جداً، باستشهاد صحافيين وإقفال مؤسسات، إلى أن ارتكبت الأنظمة الديكتاتورية الخطأ الجسيم بترك نفسها، ولأسباب تجارية، تستسلم لمغريات الخوض في عالم الاتصالات، فشرّعت أسواقها أمام الانترنت التي تحوّلت إلى صحافة الكترونية متفلتة من كل قيد، و أمام الهواتف النقالة التي تحوّلت في ما بعد إلى هواتف ذكية حوّلت شعوبها من متلقية للأخبار، التي كانت تحتكرها السلطة، إلى صانعة أخبار بالصوت والصورة، فصار في كل بيت عربي صحافي ومندوب وناقد ومحرض على الحرية. والتحدي الذي يواجه الإعلام اللبناني اليوم يتمثل في كيفية تبرير وجوده وقد فقد حصرية نقل الصورة والخبر والرأي والتحليل. فهو ما عاد قائد رأي، وهو ممّا تقدم لم يكن دائماً كذلك. والتحدي يكمن في إحداث تغيير جوهري في عقيدة الاعلام وفي طرائق استعماله وفي وجهة هذا الاستعمال. ولعل الخطوة الصحيحة الأولى المفترض القيام بها على طريق الألف ميل، تتمثل في أن ينتفض الصحافي على نفسه، اليوم قبل الغد، فيقتنع بضرورة أن يكون حراً ومهنياً و مثقفاً، لأن المطلوب من الآن فصاعداً إعلام الناس، ليس بـ "ماذا حدث ومتى حدث" بل "كيف حدث ولماذا" و"ماذا بعد الحدث".. فهل سنكون على قدر الحدث وفي مستوى التحدي.. بل التحديات؟. أملي ورغم الصعوبات أن يرتقي الإعلام اللبناني إلى مستوى هذا الإختبار التاريخي، وإلآ فالمستقبل خطير.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل