
هناك مقولة عامة لدى المسيحيين في الشرق الاوسط، عندما تخبو أنوار ما يسمّى بالدكتاتورية المدنية، تطرح السؤال التالي: "ما سيكون مصيرنا؟"
في العراق إستفاد بضع شخصيات مسيحية قليلة اقتصادياً من النظام البعثي، اذ لم يكن هناك الألوف من طارق عزيز. لكن ليس من شك ان الاقليات كانت مستهدفة بدرجة اقل بهجمات عنفيّة تحت حكم صدّام. فهل هذا يعني ان الدكتاتور العراقي كان يخصّ المسيحيين بعطف خاص؟ ربما علينا ان ان نطرح هذا السؤال على المسيحيين الأشوريين الذين طُردوا من كركوك "العربية" مع التركمان والاكراد، أو نطرحه على الذين قُتلوا وهُجّروا أثناء حملة الأنفال.
وفي مصر، شهدَ سقوط مبارك ارتفاعاً في العنف الطائفي الموجّه ضد المسيحيين، في حين ان الرئيس المخلوع كان معروفاً بصِلاته الجيّدة مع بابا الأقباط الراحل شنوده الثالث.
على أي حال، لقد عرِفَ مبارك كيف يلعب بمهارة على مخاوف المسيحيين وكيف يُهندس العنف ليُظهر للأقلية ما قد يحصل لها من دون وجوده في السلطة. ولقد فُتح في الواقع ملف وزير داخليته حبيب العادلي للإشتباه في تورطه في انفجار الكنيسة الذي وقع في الاسكندرية في كانون الثاني 2011.
أما في سوريا فقد كان المسيحيون والمسلمون يعيشون بسلام معاً لزمن طويل ومنذ ما قبل سلطة البعث، لكن البعض يوافق، ويا للعجب، مع حملة الحكومة الدعائية القائلة بأن الأقليات هي بحاجة لهذا النظام ان يبقى لكي يحميها. الا انه في الحقبة الديمقراطية نسبياً خلال الاربعينات والخمسينات كان المسيحي فارس الخوري أحد أكثر رؤساء الحكومة السوريين شعبية ونفوذاً لدى المسلمين.
تبدو الاكثرية "الصامتة" من المسيحيين متجهة الى اختيار ما تعتبره أقل الشرّين: نظام عربي شامل من المفترض ان يكون مدنياً بدلاً من حكومة اسلامية منتخبة من خلال انتخابات نزيهة. ليس من شك ان حزباً يُسمّي نفسه اسلامياً لديه رؤية مذهبية ضيّقة في السياسة، الا ان المشاركة في عملية انتخابية ديموقراطية هي عادةً مقدّمة عملية ومباشرة لإعادة التفاوض حول الافكار العقائدية، ومثلُ حزب الله في لبنان واضح في كيفية تحوّل الحزب من منتج للثورة الايرانية الى لاعب منخرط الى حدّ بعيد في المحيط السياسي اللبناني، بدءاً من انتخابات 1992. فخلفية حزب الله الاسلامية المذهبية في العمق، لم تمنعه من الدخول في حلف مصالح مع التيار الوطني الحر المسيحي.
مثلٌ آخر هو حركة الاخوان المسلمين المصرية التي تخلّت عن راديكاليتها تحت قيادة حسين الهُديبي (1949- 1973) مما سهّل لها التحكم بوصولها الى الحياة السياسية اواخر الثمانينات. محمد مرسي هو نتاج لهذا التطور التاريخي والذي بلغ حدّ تعيينه مؤخراً مستشاراً رئاسياً من الاقباط.
لم تكن الأنظمة القومية العربية العُرقية في العراق ومصر أقل تسلطاً من الأنظمة الاسلامية في السعودية وايران (والحالة ذاتها تنطبق على سوريا الآن)، ولذلك فهناك تناقض واضح في دعم المسيحيين لتلك الانظمة.
إن الهدف النهائي يكمن في الوصول الى دولة لا يحددها دين او عُرق، وهذا يعني رفض كل انواع المذهبية السياسية، سواء عُبّر عنها بوضوح – كما في الحالة اللبنانية- او بطريقة غير مباشرة – كما في الخطاب القومي العربي المتعلق بحماية الأقليات.
ولهذا أفضّل أن استخدم تعبيراً "المفترض ان يكون مدنياً"، فلا يمكن اعتبار النظام المستند على حماية المسيحيين علمانياً او مدنياً، كما يحلو لبعض مفكري الشرق الاوسط أن يصفوا طموحاتهم كي يتجنبوا أن يُقال عنهم انهم من غلاة اليعاقبة وضد الإكليروس.
لماذا يحتاج المسيحيون الى أحدٍ ما، كطاغية أو حزب، كي يحميهم؟ هل يخافون فرض الشريعة كما نقرأ في معظم صحافة الغرب؟ من الجدير ذكره ان القوانين المصرية والعراقية والسورية كانت دائمة التجذّر في مبادئ الشريعة فيظل الحكّام القوميين وما خصَّ أخذ الاحتياطات، لقد كان المسيحيون ضحايا العنف الاسلامي طوال تاريخهم في الشرق الأوسط، تماماً كما كان الأوروبيون الصليبيون ومن ثم المستعمرون يهاجمون المسلمين. هناك تعميم شائع عندما تُذكر حقبات العنف المذهبي ضد المسيحيين وكأنهم كانوا كلهم مستهدفين حصرياً باللاتسامح او التعصب الديني. على العكس، لا يستطيع المرء ان يفهم تفجيرات القاعدة ضد الكنائس العراقية من دون الأخذ بعين الاعتبار الحَنَق المتولّد عند المسلمين بسبب الغزو الاستعماري الجديد في العراق الذي تقوده الولايات المتحدة.
منذ حوالي السنتين في دير مار انطونيوس قزحيا في وادي قاديشا، استمعتُ الى عظة مذهبية حادة ألقاها احد الكهنة – وهو يُصرّ على المقاومة المسيحية المحلية ضد محاولة إزالة المسيحيين من الوجود على يد الأكثرية المسلمة، لقد تمّ بسهولة نسيان أن أسوأ الانفجارات في الصراع المسيحي- الاسلامي في التاريخ اللبناني المعاصر كانت الحرب الاهلية التي نجمت عن أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية اكثر منها عن اسباب الكراهية الدينية.
وطالما ان المسيحيين يتصورون أنفسهم كياناً بحاجة الى الحماية لا مكوناً مساهماً في دَمَقرطة مجتمعات الشرق الاوسط، فهم سيُشبهون عضواً مزروعاً في النسيج الاجتماعي، ولسوف ينكثون بتراثهم التاريخي المتمثل بمدّ الجسور التواصلية والحضارية والثقافية والتقنية بين اوروبا والعالم العربي، ولسوف يشجعون العودة التعيسة الى استغلال الانشقاقات المذهبية من قبل القوى الغربية، وهذا يعني، في سوريا مثلاً، تقسيم الدولة الى دويلات مسيحية وعلوية ودرزية، تماماً كما كان الامر ابان الانتداب الفرنسي (1943-1923).
سالتني في شباط الماضي في اسطنبول احدى الشخصيات السورية المعارضة، عمّار القُربي: "لماذا لا يشارك الخائفون في المظاهرات ليُعبّروا عن هواجسهم؟" المسيحيون الخائفون والمدافعون عن الوضع القائم لن يُسمع صوتهم في المرحلة الانتقالية ما بعد الثورة. وحسب المفكرين المنشقين ميشال كيلو وميشال شماس، فإن ما ساعد على تقبُّل الاكثرية المسلمة للمسيحيين هو وقوفهم في وجه وحشية الصليبيين ومن بعدهم الاستعماريين.
ان المسؤولية في صمت المسيحيين وسط ما يُسمّى بالربيع العربي تقع بدرجة كبيرة على المؤسسات الدينية وميلها العميق الى الأنظمة التسلطية. رغم ذلك، كان ان طُردت من سوريا إحدى الشخصيات الدينية القليلة التي عبّرت بوضوح عن انتقادها لممارسات النظام السوري، واعني الأب باولو دالوغليو. خلاف ذلك، فان معظم رجال الاكليروس السوري، كما البطريركين الماروني والكاثوليكي، اظهروا دعماً واضحاً للفظاعات المرتكبة من الدولة خلال الثورة. ومن المفيد تذكّر مصير الاكليروس الفرنسي والروسي الرجعي بعد حصول الثورتين الشعبيتين. فعندها انفجر العنف في وجه الاكليروس وسحق بكل اسف الكنيسة.
يقول ميشال كيلو في مقالته في السفير بتاريخ 16 حزيران ان الكنيسة التي تقف الى جانب السلطات الزمنية، مغذية الحقد، تشوّه كاملاً الرسالة المسيحية الاصلية التي تتضمن المسامحة والاستيعاب. ولا يمكن اعتبار الكنائس الشرقية بريئة حين تصمت في وجه المذابح كي تحمي مصالحها، تماماً كما ان البابا بيوس الثاني عشر لم يُصفَح عنه كونه لم ينطق بكلمة واحدة ضد الهولوكوست.