Site icon Lebanese Forces Official Website

كلمة د. فارس سعيد في مؤتمر “دور لبنان في نهضة العالم العربي الجديد” في معراب

 

مساهمة المسيحيين في شرقٍ عربي جديد
تهدف هذه الندوة كما فهمت من منظّميها إلى إطلاق دينامية حوارية حول دور المسيحيين في مشرقٍ عربي جديد، لأن مقاصات التاريخ لا ترحم الجماعات المتردّدة والخائفة او التي تعلن انسحابها من الأحداث.
أقدّر الجُهد الذي بُذل من أجل إنجاح هذه التجربة.
1- حَضَر مصطلح "الدولة المدنية" في خطابات الربيع العربي حضورَ المسَلَّمات القويّة والقناعات الراسخة. فلقد أجمعَت عليه كل القوى المشاركة في عملية التغيير، من إسلاميين وليبراليين وقوميين… وصولاً الى التشكيلات القَبَليّة، على نحو ما رأينا في ليبيا واليمن وسوريا. كذلك انضمّ الى هؤلاء في رفع الشعار ذاته عناصرُ قوميّة غير عربية، مثل الأكراد والتركمان والبربر، فضلاً – بطبيعة الحال – عن المسيحيين العرب الذين انخرطوا في الثورات، هنا وهناك، بوصفهم أفراداً لا جماعات.
مِث٘لُ هذا الإجماع على مطلب "الدولة المدنية" يوحي وكأن المصطلح مفكّرٌ فيه ملياً، ومكرّسٌ في برامج المعارضة منذ عهد بعيد، ومث٘بَتٌ في مُتون القانون الدستوري. والحال أنه مصطلحٌ غير وارد في مجال تصنيف الدول وأدبيات القانون الدستوري، على ما يؤكد الحقوقيون، كما أنه – بصيغته هذه – غاب طوال الفترة السابقة عن برامج المعارضات التقليدية على اختلاف مشاربها الفكرية واتجاهاتها السياسية.
2- هذه الملاحظة الأولية لا تعني مطلقاً أن "الدولة المدنية" شعارٌ فارغ وبلا معالم واضحة في ذهن رافعيه. فإذا تأمّلنا في تعامل جمهور الثورات العربية مع هذا المطلب/ الشعار، يصحّ القول أنه جاء تعبيراً عن رفضين: رفض "الدولة الأمنية" (وهو مصطلح غير دقيق علميّاً، ولكنه يعني تحديداً النظام البوليسي وحُكم الأجهزة الأمنية والإستخباراتية)، ورفض النظام الشمولي التوتاليتاري.
أما "الدولة الأمنية" أو النظام البوليسي فلا حاجةَ بنا الى وصف آثاره وتجلّياته الظاهرة للعيان على جلود أبناء المنطقة التي حوَّلها هذا النظام الى "سجن عربي كبير" – على قول كمال جنبلاط – أو الى "حاويةٍ للمُسوخ البشرية" – بحسب وصف الروائي الكبير عبد الرحمن مُنيف في روايته "شرق المتوسط".
وأما النظام الشمولي فهو ما اختبره الناس في مدى ستة عقود من عمر الدول العربية المستقلة، حيث جرى – باسم الثورية والتقدمية والمصلحة القومية العليا والانصهار الوطني وما شابَهَ ذلك من كلام "كبير" – جرى كَب٘تُ أنفاس التنوّع في هذه المجتمعات، لا سيما التنوع الديني والعرقي، مثلما تمَّ اعتبار الليبرالية الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية "انحرافاً" عن جادة الصواب والسلوك المستقيم.
معلومٌ أن الحالة البوليسية والشمولية في المنطقة العربية قد نشأت وترعرعت على رافعةِ انقلابات عسكرية ما لبثت أن أنتجت "حمهورياتٍ وراثية" بحكّامٍ "أبديين". ومعلومٌ ربما أن صِفتَي البوليسية والشمولية متلازمتان متكافلتان في مثل هذه النماذج، خصوصاً مع سيادة الحزب الواحد والزعيم الأوحد (سوريا الأسد، عراق صدّام، وليبيا القذافي…)
وإنّه لَمِنَ اللافت حقاً أن نرى الثوار الليبيين – مثلاً – يسارعون إلى رفع العلم الوطني العائد الى الحقبة الملكية، وأن نسمع بعض أركان الثورة السورية يستذكرون باحترامٍ شديد حقبة الاستقلال الوطني – وقد تزامنت مع استقلال لبنان – لِمَا اتَّسمت به تلك الحقبة من شراكة وطنية تلقائية لم تميّز بين أديان الوطنيين ومذاهبهم. هذا بالإضافة إلى ما سمعناه في السنوات الأخيرة من مثقّفين عراقيين ومصريين يقارنون بين اتّساع مساحات الليبرالية – لا سيما الثقافية والاجتماعية منها – في عهد ما قبل الانقلابات وبين ضمور هذه المساحات تدريجياً حتى الإضمحلال في العهود اللاحقة. وهذا الأمر لا يعبّر في تقديرنا عن حنينٍ الى الماضي بمقدار ما يعبّر عن إدانة قوية لجمهورياتٍ وتقدّمياتٍ وثوريّات زائفة لم تتّسع إلا للاستبداد الصريح أو المقنّع.
ولمّا كانت العقود الثلاثة الأخيرة، في ظلّ أنظمة الاستبداد الشمولي البوليسي ومع تفاقُم التحدّي الاسرائيلي، قد استثارت صراخاً إسلامياً متشدّداً، حمل شعارات "الإسلام هو الحلّ" و"الإمارات السلفية الجهادية" أو "دويلات المقاومة الخمينية المهدوية"، فقد نشأت خشيةٌ من شمولية دينية تأتي على أنقاض الشمولية السابقة التي ادّعت العلمانية بوجه عام. ومن هنا فإن رفضَ الشمولية السابقة انطوى بداهةً على رفض الدولة الدينية المحتَمَلة بوصفها نسخةً شمولية أخرى. وفي تقديرنا كما في علمنا أن قوى الربيع العربي، بمن فيها الغالبية العظمى من الإسلاميين، مدركةٌ لمشروعية تلك الخشية وتعمل على تبديدها؛ وهو ما يظهّره النقاش الجاري اليوم في كلٍّ من مصر وتونس، كما ظهّرته وثيقتا المجلس الوطني والإخوان المسلمين في سوريا. أما تحويلُ هذا المقدار المشروع – وربما الضروري – من الخشية إلى فزّاعة وإسلاموفوبيا في المنطقة العربية فهو من اختصاص النظام السوري المتهاوي، يتبعه في ذلك نَفَرٌ من المتورطين في خطة "تحالف الأقليات".
3- بالعودة إلى صُلب موضوعنا، وهو "الدولة المدنية"، قد يمكن القول ان ثورات الربيع العربي قدمت في البداية "تعريفاً بالسَّل٘ب" * للدولة المدنية المطلوبة، أي بوصفها: دولة غير أمنية – بوليسية وغير شمولية – دينية. لقد قالت هذه الثورات ما لا تريد، ولخّصته بشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، أي أنه يرفض هذا النمط من الدول البوليسية والأنظمة الشمولية. وقد يمكن القول أن شعار "الدولة المدنية" عبّر عن رفض لثلاثة نماذج: الدولة البوليسية، والدولة الشمولية بغطاء علماني، والدولة الدينية (أي عملياً الإسلامية).
* هو تعريف بالسَّل٘ب définition par négation وليس تعريفاً سلبياً définition négative.
ولكن هذا الرفض انطوى وينطوي على كثير من العناصر المحدّدة أو التي يمكن تحديدُها بالإيجاب، أي بصيغة "ماذا نريد". وهي عناصر تدخل حتماً في تعريف الدولة المدنية أو في توصيفها.
فرَف٘ضُ النظام البوليسي الذي مسخ الناس أرقاماً بلا قيمة ولا هوية يشير بقوة إلى أولوية الحرية والكرامة الإنسانية لدى هؤلاء الناس. وليس صدفةً أن تشكل هاتان المفردتان العنوان الأول لانتفاضات الربيع العربي، ما يعني أن "الدولة المدنية" المنشودة هي في المقام الأول "دولة الحرية وكرامة الانسان". فرغم الفقر والأمعاء الخاوية لم يتصدّر "الخبز" شعارات الثورات العربية، ورغم الأيديولوجيا القومية والدينية التي نشأت عليها أجيالٌ وأجيال لم تتصدّر فلسطين ولا الإسلام شعارات هذه الثورات. وهذه مسألةٌ جديرة بالتأمُّل بعيداً عن أي نزعة تبسيطيّة أو سجالية. ولا جدال في أن أولوية الحرية والكرامة الإنسانية تنطوي على كل منظومة الحقوق الأساسية المعبّر عنها بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان.
أما رفضُ النظام الشمولي، أكان هذا النظام يتلطّى خلف يافطة علمانية او دينية، فإنه يعني حرصَ الناس على التمسُّك بالتنوّع واحترامه. وقد يتبادر إلى ذهن البعض أن هذا المطلب يتعلّق اساساً – وربما حصريّاً – بالتعدد العرقي والديني. والحال أنه يشمل كل وجوه التعدّدية في المجتمع، من ثقافية ولغوية وسياسية وأنماط عيش وانتظام اجتماعي، فضلاً عما ذَكَر٘نا من تعدد عرقي وديني بنسبٍ متفاوتة بين مجتمع وآخر. والواقعُ أيضاً أن وجود التنوّع واحترامه يشكلان السِّمةَ الأبرز من سِمات المجتمعات الحيّة، ورافعةً اساسية لترقّيها وتجدُّدِها. أما العمليات القسرية لإلغاء الإختلاف – بدعوى الإنصهار وتحقيق التجانس – فما هي إلا الطريقُ الأقصر الى التخلُّف والتموُّت.
4- إذا جمعنا الحدّين* السابقين الواردين بصيغة السَّل٘ب (الدولة المدنية ليست البوليسية ولا الشمولية)، وإذا لاحظنا أن الحدَّ الأول يتعلّق اساساً بحرية الأفراد وكرامتهم، بينما يتعلّق الثاني بحرية الجماعات وكرامتها – يتحصَّل لدينا حدٌّ ثالث بالسَّل٘ب أيضاً par négation هو ان الدولة المدنية ليست "العلمانية" بالمعنى القديم المتحدّر من عصر الأنوار الأوروبي، والذي ارتكز غلى مفهوم الفرد، وتجسّد على صعيد الإجتماع الوطني السياسي في صيغة الدولة- الأمة Etat-Nation، كما اتّخذ في أكثر الأحيان منحى العداء للدين. ومعلومٌ أنّ "التمتُّع" بصيغة الدولة – الأمة اقتضى إجراء عمليات جراحية مؤسفة في معاقل العلمانية الأكثر تشدُّداً (فرنسا مثلاً) من أجل تحقيق الصَّفاء والتجانُس على صعيد المجتمع (استبعاد البروتستانت مثلاً). وإذا كانت تجربة الدولة العلمانية في أوروبا قد وفّرت للإنسان الفرد
*جاء في "كتاب التعريفات" للجُرجاني: "الحدّ: قولٌ دالٌّ على ماهيَّة الشيء" أي على تعريفه.
درجة عالية من الحرية والكرامة الانسانية، فيما همَّشت الانتماءاتِ الجماعيةَ الطبيعية، فإن تجربة الدولة الحديثة في منطقتنا العربية – وهي تقليد رديء للفكرة القومية الأوروبية – قد همَّشت الأفراد والجماعات معاً وألغت الحرية والكرامة لكليهما.
بخلاصة سريعة يمكن القول أن السِّمة التعريفية الأساسية للدولة المدنية هي أنها الدولة التي توفّر الحرية والكرامة للأفراد – المواطنين كما للجماعات على اختلاف انواعها، في إطار المجتمع الواحد. ولعل التعبير الدقيق عن هذه المعادلة يتمثل في السؤال الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي Alain Touraine بقوله: "كيف نعيش معاً، متساوين مختلفين؟ (Comment vivre ensemble, égaux et différents ?). أما المساواة فتعني مساواة الأفراد- المواطنين في الحقوق والواجبات أمام القانون، وأما الاختلاف فيعني تعدّد الانتماءات الجماعية، من دينية وغير دينية. وهنا ندخل في صميم التجربة اللبنانية الحديثة لمحاولة الإجابة عن سؤال اقترحته عليّ هذه الندوة: ما هو دور مسيحيي لبنان والمشرق في النهضة العربية الحديثة؟ وسأحاول الإجابة بأقلّ قدرٍ من الإدّعائية prétention التي تُغري بها صيغةُ السؤال.
5- لا شكَّ أنه كان للموارنة شرفُ المبادرة إلى اقتراح كيان لبنان الكبير وطناً للعيش المشترك المسيحي – الاسلامي منذ العام 1920، وكان لكنيستهم آنذاك الدورُ الأول في "إقناع" المجتمع الدولي بهذا المطلب، إذا صحَّ التعبير. ولقد واصلوا مبادرتهم هذه – بقيادة نخبتهم المتفاهمة مع قطاعات واسعة من المسيحيين والمسلمين – عندما انحازوا عام 1943 إلى الاستقلال التام بدلاً من استمرار الانتداب الفرنسي أو الوحدة مع سوريا. ومن العلامات البارزة في هذا الانحياز/ الاختيار أنه ترافق مع الاتفاق على الميثاق الوطني.
تشير نصوص المحمع البطريركي الماروني (2006) بوضوح إلى أن اقتراح لبنان الكبير وطناً للعيش المشترك، وان الانحياز إلى الاستقلال مقترناً بالميثاق الوطني، عبَّرا عن خيار تاريخي متواصل للكنيسة المارونية اتّخذته بكامل وعيها وإرادتها. ويُفهم من التمعُّن في تلك النصوص أن هذا الخيار استند إلى ركنين مجتمعين: عقيدة التعلُّق بالحرية، وعقيدة الشهادة للإيمان المسيحي في إطار العيش مع الآخر المختلف وليس بمنأى عنه. كذلك تشير النصوص ذاتُها إلى أن وضعيّة الانعزال الماروني في الجبل فرضتها عهود الامبراطوريات المتعاقبة على الشرق، ولم يعد لها من مبرّر في العصر الحديث. وعلى أي حال فإن المستند الديموغرافي للعيش المشترك لم ينشأ مع قيام لبنان الكبير والاستقلال التام، بل وُجِدَ بدرجةٍمعتبرة قبل ذلك في إطار تجربة "المتصرفية"، كما تؤكد نصوص المجمع الماروني والدراسة القيّمة التي كتبها المؤرّخ كمال الصليبي بعنوان "الموارنة: صورة تاريخية".
*هي استثنائية "لأنها جاءت إبّانَ صعود الدعوات القومية في المنطقة والعالم، ورغم تأثُّر النُّخب المارونية الشديد آنذاك بالثقافة الفرنسية ذات الطابع العلماني.
غير أن مأثرة المبادرة إلى اقتراح مشروع العيش المشترك، على أهميتها الاستثنائية*، لا تخوّلنا القول بأن الموارنة صنعوا العيش المشترك. ذلك أن هذا الشيء، بطبيعته التعددية التشاركية، لا يمكن أن تصنعه فئة واحدة، كما لا يجوز أن يُدار بنظرة فئوية. ولقد امتلك المجمع البطريركي الماروني الشجاعة الأدبية الكافية للتشديد على هذه الحقيقة بشقَّيها، في معرض كلامه على وجوب المزاوجة والموازنة بين الحرية والعدالة في نطاق العيش المشترك. كذلك حدّد المجمع بصورة موجزة ودقيقة ماهيَّة الدور الماروني بوصفه مبادرة تاريخية متجدّدة؛ وذلك بقوله: "والموارنة الذين ساهموا مساهمةً أساسية في خلق هذا النمط المميّز من الحياة، من خلال إصرارهم التاريخي على التواصل والانفتاح، مدعوّون دائماً إلى تجديد صيغة العيش المشترك" (نصّ الكنيسة المارونية والسياسية، فقرة 37).
6- إن العيش المشترك، بوصفه نمط حياة مميّز بثرائه الإنساني، يحتاج الى "دولة العيش المشترك". فما هي طبيعة هذه الدولة في نظر الكنيسة الماروني؟
جاء في الفقرة 44 من نصّ "الكنيسة المارونية والسياسة" ما يلي: "تحتاج صيغة العيش المشترك الى دولة ديموقراطية وحديثة، قادرة على حماية الصيغة وتوفير ظروف تطوّرها. وتقوم هذه الدولة على التوفيق بين المواطنة والتعدّدية، أي على الجمع بين دائرتين أساسيّتين في انتماء اللبنانيين: دائرة فردية مدنية، تتحدّد بالموطنية التي ينبغي أن تطبّق على الجميع بالشروط نفسها؛ ودائرة جماعية، تتحدّد بالطائفية التي تريد الاعتراف بالتعدُّد وبحقّ هذا التعدّد في التعبير عن نفسه. وقد أخذ دستور الطائف بهذا التمايز بين هاتين الدائرتين، حين أكّد في مقدمته أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
ويتابع النص بصورة أكثر وضوحاً وتفصيلاً فيقول:
"إن الدولة المنشودة هي دولةٌ تؤمّن:
• التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلاً من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينية لها صفة المطلق.
• الانسجام بين الحرية التي هي في أساس فكرة لبنان وبين العدالة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات، والتي من دونها لا يقوم عيش مشترك.
• الانسجام بين حق المواطن الفرد في تقرير مصيره وإدارة شؤؤنه ورسم مستقبله، وبين حق الجماعات في الحضور والحياة على أساس خياراتها.
• الانسجام بين استقلال لبنان ونهائية كيانه، وبين انتمائه العربي وانفتاحه على العالم" (الفقرة 45).
أعتقد أن هاتين الفقرتين من نصّ "الكنيسة المارونية والسياسة" تحدّدان الملامح الأساسية لمفهوم الدولة المدنية. وتتمثّل الأهمية الخاصة لهذه المساهمة في أنها استندت إلى خلاصات التجربة اللبنانية في العيش المشترك بكل إشكالياتها.
وإذا علمنا أن مساهمة الكنيسة المارونية (2006) قد سبقت بخمس سنوات شعار "الدولة المدنية" الذي رفعته ثورات الربيع، فضلاً عن استناد هذه المساهمة إلى تجربة لبنانية غير مسبوقة في المنطقة العربية امتدّت على نحو قرن من الزمن، يتأكّد لدينا مجدداً صِد٘قُ من قال بأن العالم العربي كان على الدوام في حاجة إلى شيئ من "اللّبننة" أكثر من حاجة لبنان إلى "التعريب". وعلى أي حال قد لا نجد مساهمةً في تحديد مفهوم "الدولة المدنية" بمثل الدقة والوضوح الواردين في نصّ الكنيسة المارونية… ولَكُم٘ أن تستنتجوا بعد هذا ما إذا كان مفهوم الدولة المدنية اختراعاً مارونيّاً.
7- من آخر مشكلات هذا "الإختراع" أن بعضَ أبنائه اهتزّ إيمانُهم به على أثر زلزالين كبيرين: زلزال الحرب اللبنانية (1975-1990) الذي لم تتوقّف ارتداداته عن الفعل في نفوس كثير من المسيحيين، وزلزال الثورات العربية الراهنة الذي توجّسوا منه خِيفةً بدلاً من أن يتوسّموا فيه وعداً بانتعاش المعنى اللبناني. ومن هنا ذهب هذا البعض صراحةً أو مداورةً إلى المطالبة بتعديل النظام اللبناني من خلال تعديل الدستور القائم على وثيقة الوفاق الوطني في الطائف. واللافت في هذه المطالبة أنها تأتي على خلفية انكفائية مذعورة، بدلاً من تلك الشجاعة التي تحلّت بها المبادرة التاريخية المارونية. لكأنّي بهؤلاء لم يقرأوا نصوص مجمعهم البطريركي الأخير، وإذا قرأوا لم يفهموا، وإذا فهموا فقد أنكروها قبل صياح الديك!
وهنا أختم بفقرتين سريعتين من نصّ "الكنيسة المارونية والسياسة" تذكّران بفهم الكنيسة للنظام اللبناني القائم على اتفاق الطائف:
الفقرة 28: "… وساهمت الكنيسة في بلورة الأسس والمفاهيم التي ارتكز عليها اتفاق الطائف (1989)، ونظرت إلى هذا الاتفاق على أنه مدخل لطيّ صفحة الصراعات الماضية بين من كان يطالب، باسم العدالة، بتحسين شروط مشاركته في الدولة، وبين من كان يسعى، باسم الحرية، إلى حماية الكيان وتثبيت نهائيته. ورأت الكنيسة كذلك أن هذا الاتفاق يثبّت أولوية العيش المشترك على كل ما عداه، ةيجعل منها أساساً للشرعية.
الفقرة 29: حسمت مقدمة اتفاق الطائف الجدل حول طبيعة العقد الاجتماعي بين اللبنانيين، فاعتبرت أن العيش المشترك هو أساس هذا العقد، وأن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. كما أوضحت ماهيّة النظام اللبناني: لبنان واحد موحّد، سيّدٌ حرٌّ مستقل، ونهائي لجميع أبنائه، وعلى كامل أرضه. وهو عربي الهوية والانتماء، ويلتزم بكونه عضواً مؤسساً في الجامعة العربية وفي منظمة الأمم المتحدة وفي الإعلان العالمي لحقوق الانسان. وقالت إن النظام جمهوريٌّ ديموقراطي برلماني، يقوم على احترام الحريات العامة، لا سيما حرية المعتقد، وعلى العدالة والمساواة، ومبدأ الفصل بين السلطات، وعلى ان الشعب هو مصدر السلطات.
تًرى هل يحتاج هذا النظام إلى إسقاط أو تعديل، أم إلى تطبيق سليم لم نتمكّن منه بسبب سلطة الوصاية السورية التي نشاهد اليوم انهيار نظامها بأُمّ العين؟!
في الخلاصة:
لقد اختبرنا في هذه المنطقة الأنظمة التوتاليتارية التي ألغت حقوق الأفراد وحوّلت الجماعات إلى كُتل بشريّة متناحرة تخشى بعضها بعضاً، ويستقوي بعضُها على الآخر حتى بالنظام التوتاليتاري الذي يقمع الجميع. ونحن نعلن رفضنا المطلق لهذه الأنظمة، ونتضامن مع شعوب المنطقة من أجل إزالتها.
واختبر الغرب نموذج الأنظمة العلمانية التي أمّنت الحقوق للأفراد وحققت تقدّماً نموذجيّاً، غير أنها ألغت مفهوم الضمانات للجماعات. وفي تقديرنا أن هذه الأنظمة العلمانية أصبحت بحكم العولمة وتداعياتها تدير مجتمعاتٍ متنوّعة. وهو ما يدفعها بقوة نحو اعتماد صيغة مناسبة لإدارة مجتمعات تعدّدية لا مجتمعات صافية.
يقدّم المسيحيون نموذج الدولة المدنية التي تؤمن الحقوق للأفراد والضمانات للجماعات الطائفية والإثنية وغيرها. وهو نموذج بدأ رسمياً مع قيام "لبنان الكبير" وصيغة العيش المشترك.
هذا المفهوم يشكّل المساهمة المسيحية في شرقٍ عربي جديد ويتطلّب منّا شجاعة الدفاع عنه وتثبيت مفاهيمه وتعميمه.

Exit mobile version