#dfp #adsense

كلمة البروفسور روك-أنطوان مهنا في مؤتمر “دور لبنان في نهضة العالم العربي الجديد” في معراب

حجم الخط

 

أيتها السيدات والسادة،
بدايةً دعوني أشكر القيّمين على هذه الندوة السياسية والفكرية–الاقتصادية التي تعيد بعضاً من الثقة إلى جدل سياسي عقيم يدور في فراغ طالما لا يرتكز على نقاش علميّ وتخطيط ورؤى إقتصادية. عسانا نستعيد تجربة الندوة اللبنانية فنقارع الحجّة بالحجّة لا بقطع الطرقات والخطف والاغتيالات.

قبل أن أشرَع في مهمتي شبه المستحيلة والتي تقضي بأن أختصر دور الاقتصاد اللبناني في النهضة العربية في عشر دقائق، من المفيد بدايةً أن نعرض بعض الأرقام والوقائع عن حال الاقتصاد في الدول العربية قبل وبعد الثورة وعلاقة لبنان الاقتصادية بهذه الدول.

تشابهت الأحوال الاقتصادية في الدول العربية ما قبل الثورة بنِسب البطالة العالية بين الشباب وتفاوت الدخل والتضخم وانظمة التوريث السياسي، وكنت قد نشرت كتاباً عن هذا الموضوع في العام 2000 دعيت فيه الحكومات العربية كي تختار بين أن تتحوّل بطالة شبابها إلى قنبلة ديمغرافية أم إلى هدية إقتصادية. ولكن يبدو كالعادة أن الدول العربية تهوى الانفجارات وهذا ما حدث في الربيع العربي. فغياب التخطيط وقمع إرادة الشعوب وسرقة وهدر الأموال العامة وعدم إعطاء الأولوية للإصلاحات الاقتصادية جعل الدول العربية ومنها لبنان مسلوبة الإرادة السياسية ومرتهنة لمحاور إقليمية ودولية. ولن تكتمل الثورات العربية لتتحوّل إلى نهضة حقيقية إن لم تأخذ هذه الشعوب العِبَر من الماضي وتطوّر إقتصاداتها إلى جانب أنظمتها الديمقراطية.

أيها الحضور،
يتلقّى لبنان منذ سنوات مدفوعات من الدول العربية بقيمة 15 مليار دولار، خمسة مليارات منها تأتيه سنويا" من اللبنانيين العاملين في دول الخليج بدل سبعة مليارات قبل حرب تموز.

هذا وتُقدّر الإستثمارات العربية في لبنان سنويا" ب 2،5 مليار دولار أميركي، بينما تقارب صادرات لبنان السنوية إلى الدول العربية الميليارين دولار ليست كلها بالطبع صناعة لبنانية.

بعد هذه المقدمة الضرورية التي تبرز حجم إتّكال لبنان على إقتصادات الدول العربية رغم عجزها، لا يمكن الحديث عن دور لبنان الاقتصادي في نهضة هذه الدول في ظلّ إقتصاد منهار، معدّلات الدين العام فيه هي من الأعلى عالمياً في مقابل إدارة عامة هَرِمة وفاسدة في جزء كبير منها تأكل النمو بدل أن تكون عاملاً في زيادته. من هنا يقف لبنان أمام خيارين: الأول يقضي بأن يستمر بلعب دور النعامة ويتجنّب أي إصلاح إقتصادي بحجّة الوفاق الوطني، والثاني يقضي أن تتحمل حكومتنا مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية فتمنع الإنهيار المحتَم.

لذا على هذه الحكومة أو أي حكومة لاحقة أن تعيد النظر فوراً في حجم القطاع العام وفعاليّة إدارته، وتشرع إلى إغلاق الملاكات والإدارات التي لا حاجة لها. وتعيد تأهيل الفائض الاداري للمشروع في تقليصه تدريجياً. كما أنه من العار أن يكون عندنا أزمة كهرباء مضافة إلى كلفة هي الأعلى في المنطقة.

لتقوية الاقتصاد اللبناني علينا أن نسأل الحكومة بالإسراع في وضع قانون اللامركزية الادارية الموسّعة، وعلى منع الإحتكارات الاقتصادية أو على الأقل حلّ أزمة السير التي لوحدها كفيلة بزيادة الناتج المحلي بنحو 4% بحسب دراسات شاركت في إعدادها مؤخراً.

كما لا يمكن التأثير على إقتصادات الدول العربية المجاورة من دون تطوير المرافىء اللبنانية وفتح مطارات جديدة وخلق مناطق إقتصادية حرّة.

أما الحديث عن مدى الحاجة إلى استقرار سياسي أو أمني لتسهيل إنطلاقة عجلة الاقتصاد اللبناني فحدِّث ولا حرج والدكتور سمير جعجع هو الأدرى بهذه الشؤون.

أيها السادة،
بعد أن تتحقق نهضة لبنان الاقتصادية عندها يُصبح من المفيد الحديث عن دورنا في نهضة الدول العربية. ولكي يستعيد لبنان دوره النهضويّ هناك مساحة وحيدة يمكنه أن يلعب عليها… وهي ملعب الحرية. فالتحدّيات هي إقتصادية بقدر ما هي سياسية، وهي أساس كل إبداع تميّز به لبنان.

من هنا لوزارة الثقافة دورٌ إقتصادي بحجم دورها الفكريّ حيث يجب أن تشجّع صناعة السينما والنشر والكتابة والموسيقى والمسرح كأدوات غزوٍ حضاريّ لكي نستعيد بعضاً من المساحات التي خسرناها بفعل الحرب أو بفعل الجهل .

كما على وزارة الخارجيّة أن تتحوّل من دور السائح الذي يطبع تأشيرات دخول تتناقص صيفاً بعد صيف إلى وزارة اقتصاد أيضاً خارج الحدود حيث عليها أن تُنشىء أقساماً اقتصاديّة متخصصة أقلّه في السفارات اللبنانية في الدول العربية لتشبيك الشركات اللبنانيّة مع الشركات العربيّة وفتح هذه الأسواق أمام اليد العاملة اللبنانيّة والصناعات ذات القيمة المضافة. كما على وزارة الخارجيّة أن تربط بين خبرات اللبنانيّين المقيمين في الدول العربيّة لتخطّي دورهم التقليدي في التحويلات الماليّة فقط. وبما أن أهم ثروة طبيعية تُميّز لبنان هي أدمغته ، لا يمكن السكوت أمام انحدار المستويات العلميّة على كافة الأصعدة والتي يجب أن تعود أدوات استقطاب للشباب العربي ومختبرات أفكار مبتكرة تُطلَق في لبنان وتُنفَّذ في الدول العربيّة ( من بين 2,124 جامعة دولية مصنّفة، احتلّت الجامعة الاميركيّة المرتبة 1,159 بينما احتلّت جامعة القاهرة المرتبة 592 ).

أيها الحضور الكريم،
لا يمكن نقل فلسفة التنوّع والحريّة الاقتصاديّة الى الدول العربيّة إذا أهملنا الدور الفاعل الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني اللبناني الذي اكتسب خبرة في التنمية الاقتصاديّة والبشريّة، يجب على الحكومة أن تدعمه في نقلها إلى دول ما بعد الثورات. هذا شكلٌ عصريّ من أشكال التبادل الحضاري بين الشعوب سبقتنا اليه دول أخرى ولا يمكن أن نتجاهل أهميته في نقل ثقافة الحياة والتعاضد بين الشعوب والإنفتاح وتعزيز حقوق الإنسان.

في الختام،
لم أرد لهذه المداخلة أن تكون تقنيّة بقدر ما أردتها تأكيداً على تداخل الاقتصاد بالسياسة وأهميته في نشر قِيم حضاريّة يجب أن تكون من أساسات السياسة الاقتصاديّة اللبنانيّة في علاقته مع الدول العربيّة.

وكما بدأت من ضرورة تعزيز اقتصادنا الداخلي كشرط محوريّ كي نؤثر في حضارات الغير، أريد أن أنهي بالتشديد على ضرورة انتهاز فرصة الإنتخابات النيابيّة المقبلة لكي نُدخِل عامل "المقاومة الاقتصاديّة" الى مفردات السياسة العقيمة، فبدون تخطيط صحيح وجرأة في التفكير، وحكمة في التنفيذ، لن يتمكّن لبنان من لعب دوره الحضاري في المنطقة العربيّة لا بل العكس من ذلك سيأتي ربيعٌ يُطيح بالأفكار المجلّدة والمعلّبة وخوفي عندها أن إعصار الإفلاس الذي سيضرِبُنا لا سمح الله لن يُبقي معنا حتى ثمن تذكرة الهجرة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل