كتب محمد مشموشي في "المستقبل":
لا يقول المسؤولون السوريون، من وزير الخارجية وليد المعلم الى نائبه فيصل المقداد الى وزير الإعلام عمران الزعبي من دون نسيان السفير في الأمم المتحدة بشارالجعفري، إلا أنهم يريدون من لبنان أن يبقى تحت الوصاية: دولة تابعة بكل ما تعنيه الكلمة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وخصوصاً في ما يتعلق بالنظام في دمشق وسياساته القمعية للثورة الشعبية المتصاعدة ضده والمستمرة منذ سبعة عشر شهراً حتى الآن.
ليس مهماً بالنسبة الى هؤلاء المسؤولين، والحال هذه، أن يحاول زملاء لبنانيون لهم إعادة رفع راية ما يسمى "النأي بالنفس" كلما أصابها تمزق على الأرض، ولا حتى "لفت نظر" السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي أو نظيره اللبناني في دمشق ميشال خوري الى الاعتداءات السورية على قرى لبنان وبلداته الحدودية وسقوط قتلى وجرحى من سكانها الآمنين. كما لا يعنيهم، في قليل أو كثير، استضافة اللبنانيين ما لا يقل عن مائة وخمسين ألف نازح سوري في بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم وكنائسهم، وكون السفير علي وزبانيته في لبنان متهمين، بملاحقة هؤلاء وخطف من يمكن منهم بذريعة أنهم "إرهابيون" و"منشقون"، ولا أخيراً مطالبة قوى 14 آذار بطرد السفير علي، لخروجه على وظيفته الديبلوماسية من جهة أولى، وبدعوة قوات "اليونيفيل" الدولية الى مساعدة لبنان على حماية حدوده مع سوريا، لتحولها الى ما يشبه الأرض السائبة، من جهة ثانية.
الشيء المهم بالنسبة اليهم واحد لا غير: بقاء لبنان دولة تابعة لزوم السياسة التي يرسمها النظام في دمشق، محلياً ولبنانياً ودولياً على السواء، وأرضاً سائبة على مساحة لبنان كله وليس على الحدود فقط لزوم الأمن كما يريده هذا النظام… وعند اللزوم تنفيذ ما يقرره علي المملوك وميشال سماحة، وغيرهما طبعاً، خدمة له ولمقولاته عن "الزلزال المدمر" الذي سيضرب المنطقة على خلفية الحدث السوري.
وما عدا ذلك، مما لا يهم مسؤولي النظام السوري، يعتني به عملياً شبيحته من اللبنانيين المزروعين بعناية ودقة وفي أكثر من زاوية في لبنان. وفي إطاره، يتبرع هؤلاء بنقل رسائل علنية تارة ومشفرة تارة أخرى عن تقويم المسؤولين السوريين لمواقف الدولة في لبنان وممارساتها بإزاء كل قضية من قضاياهم.
هكذا يحدد هؤلاء علناً، في تصريحات أو مؤتمرات صحافية أو كتابات إعلامية، أن دمشق راضية (أو غير راضية؟) عن موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من اتهامات بشار الجعفري للبنان لجهة تهريب الأسلحة والمسلحين، أو عن تصريحاته بشأن مؤامرة المملوك/سماحة وقوله إنه ينتظر اتصالاً من الرئيس بشار الأسد، أو عن أي مسألة أخرى يشتم منها أدنى خروج على سلطة الوصاية.. وديمومة الدولة التابعة. بل وأكثر، فربما تكون دمشق راضية (أو غير راضية؟) عن كلمة "مؤسف" التي قالها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تعليقاً على اتهام لبنان من قبل وزير الإعلام السوري عمران الزعبي بأنه مشارك في الحرب الكونية التي تُشن على سوريا.
أما عندما يتعلق الأمر بالرسائل المشفرة، فتأخذ الحملة صيغة تسريبات صحافية (مقال موقع في صحيفة "الأخبار" على سبيل المثال) عن اتفاق "مسؤول لبناني كبير" ـ حسب النص ـ مع مخابرات دولة أجنبية قبل اتصال أجراه مع الأسد لكي تقوم مخابرات تلك الدولة بتحليل النبرة الصوتية للأسد، أو عن اتفاق آخر مع دولة عربية لكي يتم تمرير أسلحة ومسلحين وأموال عبر الحدود مع سوريا، أو حتى عن عقد صفقة سرية منذ الآن يتم بموجبها تمديد ولاية الرئيس ميشال سليمان بعد انتهاء فترته في العام 2014 الى آخر ما نقرأ ونسمع في إعلام 8 آذار.
وفي الحالين معاً، الرسائل العلنية والأخرى المشفرة، فتحذيرات الشبيحة اللبنانيين من الويل والثبور اللذين سيلحقان بلبنان في حال سقوط النظام السوري، أو حتى مجرد تهديده بالسقوط كما يقولون، لا تقف عند حد.
ما يهم النظام السوري في ظروفه الحالية، أن يبقى لبنان دولة وصاية تابعة بالكامل، كما كان قبل انسحاب قواته المسلحة منه في العام 2005. ليس هذا فقط، بل أن يتحول الى أرض ومجتمع ودولة حرب أهلية شاملة تتداخل فيها طوائفه ومذاهبه وأعراقه وانتماءاته السياسية مع طوائف الشعب السوري ومذاهبه وأعراقه وانتماءاته.
وفي الواقع العملي، فعدته لبلوغ هذا الهدف تشبه الى حد التطابق عدته العاملة في مواجهة الثورة السورية في المرحلة الراهنة: فرق "الشبيحة" على أنواعها، السياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والمالية، بكل ما يظهر منها بوجوهه العارية والمكشوفة على السطح وما لا يظهر إلا عند الحاجة!.
ما سبق يشير الى أن الفترة المقبلة هي الأخطر على لبنان من كل ما سبقها على امتداد الشهور الـ 17 الماضية من عمر الثورة السورية، ومحاولات النظام لإحباطها بمختلف الوسائل والأساليب من ناحية وتصديرها الى الخارج (لبنان بالذات) من ناحية ثانية.
فقد حانت ساعة الحقيقة بالنسبة الى هذا النظام، برغم ما يبدو على السطح خلاف ذلك إن داخلياً أو اقليمياً أو دولياً، وحتى على صعيد المعارضة السياسية والكتائب العسكرية غير الموحدة.
وفي موازاة ذلك، يتوقع مراقبون أن يستخدم نظام الأسد كل ما يملكه من "أوراق" (اللعبة الدائمة لديه) من أجل تهريب هذه الساعة، أو تأجيلها على الأقل.
و"الورقة" اللبنانية تبقى الأكثر سهولة، وربما قابلية من أطراف لبنانية محددة، لمثل هذا الاستخدام.