شغلت العملية الأمنيّة التي بدأها الجيش اللبناني في محلة الرويس في الضاحية الجنوبية لبيروت منذ مساء الجمعة الماضي الاوساط السياسية التي فوجئت بها، على غرار ما فاجأها اطلاق ثلاثة ضباط كانوا موقوفين في قضية مقتل الشيخ احمد عبد الواحد ورفيقه محمد مرعب في عكار. ورغم انكفاء التداول السياسي علناً في مغزى تزامن هذين التطورين في يوم واحد، فان بعض الاوساط المواكبة لهما بدت معنية بتسليط الضوء على معطيات وتفسيرات قد تكون على صلة مباشرة بتوقيت هذين التطورين وأبعادهما.
وقد أبدت هذه الاوساط لـ"الراي" الكويتية ميْلها الى الاقتناع السائد لدى كثيرين بان ثمة رابطاً في التوقيت بين إطلاق الضباط الثلاثة والبدء بدهم محلة الرويس معقل عشيرة آل المقداد في يوم واحد، باعتبار ان الطابع المتوازن لهذين التطوريْن قد يكون وفّر تمرير الأصداء السلبية لإطلاق الضباط الثلاثة والتي كانت تنذر بمضاعفات واسعة في عكار من خلال خطوة احدثت دوياً واسعاً عبر دخول الجيش الى عقر "المربع الامني" لـ"حزب الله" استناداً الى قرار سياسي كبير وفّره رئيس الجمهورية ميشال سليمان لتحرير المخطوف التركي واربعة سوريين رهائن لدى عشيرة المقداد لمبادلتهم بابنها حسان الذي كان ظهر في شريط مصوّر بين ايدي مجموعة مسلحة في سوريا قالت انها من "الجيش السوري الحر".
وأضافت الاوساط انه من الطبيعي والحال هذه ان يطرح سؤال كبير حول موقف "حزب الله" من عملية الجيش المستمرة في الرويس، وهو موقف لا يفسَّر الا بتغطية ضمنية للجيش في هذه العملية من منطلق احتمالات عدة قد يرى فيها الحزب فوائد له. فالانطباع الاولي الذي أثارته العملية التي استهدفت اشخاصاً من عشيرة المقداد متورطين في خطف السوريين والرهينة التركي، اوحت بان الحزب سمح بحصول خرق في منطقته بما يحسّن صورته الداخلية والخارجية عشية وصول البابا بينديكتوس السادس عشر الى لبنان يوم الجمعة المقبل، واذا كان التوقيت مرتبطاً بزيارة البابا مبدئياً، فان موافقة الحزب تبدو أبعد عمقاً من هذا التطور، اذ من شأن عملية الجيش ان تعطي صدقية لنفي الحزب وأمينه العام حسن نصرالله سابقاً اي مسؤولية لهما عن عمليات الخطف التي تولتها عشيرة المقداد في 15 اب الماضي، وهذا الامر سيؤدي تالياً الى تحرير الحزب من اي تبعة في تعقيدات مسألة المخطوفين اللبنانيين العشرة الذين لا يزالون محتجزين على الحدود السورية – التركية منذ ايار الماضي.
اما في البُعد الداخلي الصرف، فان الاوساط نفسها تعتقد ان ثمة جانباً في تسهيل مهمة الجيش في الضاحية قد يتصل في رغبة الحزب في توفير دعم للجيش تحديداً عبر مهمات تتصل بالامن الداخلي بما يعيد الى دوره لمعاناً قوياً بعدما استأثرت شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي بحيز واسع من هذا البريق في المرحلة السابقة من خلال ضبطها ودورها الحاسم في قضية توقيف الوزير السابق ميشال سماحة. ولا يقتصر الامر في هذا المجال على "حزب الله" بل يطاول سائر حلفائه ايضاً بدليل الهجوم الحاد الذي شنّه العماد ميشال عون في الكلمة التي ألقاها مساء الجمعة الماضي على قوى الامن الداخلي ومديرها العام اللواء اشرف ريفي.
وفي رأي الاوساط نفسها ان هذه المواقف تطل على حسابات سياسية وأمنية مبطنة لحلفاء النظام السوري في المرحلة المقبلة، لكن مع ذلك ثمة جانب ايجابي يتأتى منها لجهة توسيع هامش حرية الحركة للجيش والقوى الأمنية بما يعزز الانطباع بان لبنان ليس مقبلاً على فلتان امني اوسع من المرحلة السابقة، وان موجبات الحفاظ على الاستقرار تبدو وكأنها تكرست كخط احمر مثبت لدى الجميع، بمعزل تام عن حسابات بعض القوى السياسية وتعاملها الفئوي مع القوى العسكرية والأمنية.