لم تستقبل قوى 8 آذار بكثير من الارتياح جولة البطريرك بشارة الراعي الراعوية إلى عكار، وما سبقها من تواصل مع الرئيس سعد الحريري وما تبعها من جولة مماثلة في الشوف ولقائه النائب وليد جنبلاط أمس الذي كان التقى الحريري في باريس.
لعلّ أصعب مرحلة عرفتها قوى الرابع عشر من 14 آذار منذ لحظة انطلاقتها تمثلت في الظروف الخارجية التي ترافقت مع انفراط الـ"سين-سين" وعودة النظام السوري إلى صيغة "الأمر لي" في لبنان، وترجمت داخلياً عبر إسقاط الحكومة الحريرية وخروج النائب وليد جنبلاط من ائتلاف انتفاضة الاستقلال، وتزامنت مع استقالة البطريرك نصرالله صفير وانتخاب الراعي خلفاً له.
فقوّة 14 آذار، قبل تاريخ إسقاط الحكومة الحريرية، كانت متأتية من توازن المشهد العربي-الإقليمي والخطوط الحمر الدولية وأرجحية المشهد الداخلي المتجسد بوجود الطائفتين السنية والدرزية في قلب التحالف الاستقلالي في موازاة التوازن في المشهد المسيحي. هذا الوضع الذي انقلب رأسا على عقب مع إخراج النظام السوري بضربة واحدة ثلاثة مكوّنات أساسية كانت تقف سدا منيعا أمام محاولاته إعادة وضع يده على السلطة في لبنان، فهو أخرج المملكة العربية السعودية من حيّز النفوذ والتأثير والشراكة داخل الساحة المحلية، وأخرج الحريرية السياسية التي تمثل التوجهات الأساسية للطائفة السنية من رئاسة الحكومة، وأخرج الزعيم الدرزي من التحالف الاستقلالي ناقلا موقع الطائفة الدرزية من اتجاه إلى آخر.
ولكن الحدث المؤسس الذي أعاد خلط الأوراق السياسية كان الثورة السورية، التي لو لم تحصل، لكان النظام السوري استعاد بالتأكيد وصايته على لبنان، هذه الثورة التي جعلت الثلاثي سليمان وميقاتي وجنبلاط الذين غطّوا الانقلاب الدستوري ينتقلون إلى الموقع الوسطي، ودفعت البطريرك الماروني إلى التحوّل التدريجي في مواقفه التي تقاطعت مؤخرا مع مواقف رئيس الجمهورية.
وإذا كانت السنة الأولى للثورة شهدت جمودا في التموضعات السياسية، فإن الأشهر الأخيرة بدأت تظهر بوضوح حراكا لافتا يؤشر بشكل حاسم إلى مستقبل الاصطفافات الداخلية، هذا الحراك الذي تمظهر من خلال الآتي:
أولا، مواقف رئيس الجمهورية التي أزعجت نظيره السوري ودَلّت على أن تطور المنحى العام السياسي سيدفعه أكثر فأكثر إلى المزيد من الشيء نفسه.
ثانيا، تحذير رئيس الاشتراكي من فوز 8 آذار في الانتخابات النيابية المقبلة ولقاؤه الحريري في باريس، هذا اللقاء الذي طوى فعليّاً صفحة التباين بين الرجلين، وأسس لمرحلة جديدة عنوانها عربياً عودة الوصل مع الرياض ولبنانياً التحالف في الانتخابات المقبلة.
ثالثا، إعادة الراعي، وفي فترة زمنية قصيرة، التطبيع مع مكوّنات انتفاضة الاستقلال الأربعة: مسيحيو 14 آذار بعد زيارة وفد منهم إلى بكركي، سنّة 14 آذار بعد زيارة الراعي إلى عكار وتحوّله إلى رأس حربة في الدفاع عن شؤونها وشجونها، الدروز بعد زيارة البطريرك للمختارة فيما كان تجاهلها في الزيارة السابقة، والرأي العام الاستقلالي الذي لمس أن الراعي حيّد نفسه عن الانقسام القائم.
وعليه، يمكن اختصار المشهد السياسي كالآتي: ابتعاد الموقع الأول المدني والروحي عن 8 آذار مقابل انتقال الزعيم الدرزي إلى يمين 14 آذار، الأمر الذي يعني خسارة محور الممانعة في لبنان الغطاء الدرزي والغطاءين المسيحيين خارج ثنائية عون- "حزب الله"، علماً أنّ هذه الثنائية تعرضت مؤخرا لاختبارات حادة كادت تؤدي إلى فرطها، فضلاً عن أن التحالف بين هذين المكوّنين لم يعد بالمتانة نفسها في ظل التراجع الشعبي العوني واختلاف أجندة كل منهما.
وانطلاقا من هذه الوقائع تتوجّس 8 آذار من حراك الراعي وجنبلاط المنفصل شكلا والمتصِل مضمونا لناحية ترسيخ السلم الأهلي والمصالحة والتواصل بين اللبنانيين ومَحو آثار الحرب اللبنانية والحؤول دون عودتها، ما يصبّ في خانة أهداف 14 آذار نحو إعلاء السلام اللبناني ويتعارض جذريا مع محاولات النظام السوري المتواصلة تفجير التناقضات بين اللبنانيين لإظهارهم قبائل عاجزين عن التفاعل مع بعضهم وحكم أنفسهم بأنفسهم.
كما تتوجس 8 آذار أيضا من الحراك الشعبي والإداري والسياسي المستجدّ لدى 14 آذار، ومسارعة "حزب الله" إلى الرد على مذكرة البنود التسعة، في محاولة لتعطيلها وعدم الإفساح في المجال أمام رئيس الجمهورية للأخذ بمضمونها.
وفي الخلاصة أنه مع تقدّم المشهد السوري بدأ "حزب الله" يتحَسّس العزلة السياسية التي تنتظره.
