سواء جاء دخول الجيش إلى الضاحية باتفاق مع «حزب الله» أم من دونه، فإن الخلاصة الأهم للعملية الأمنية التي أدّت إلى توقيف حسن المقداد، كانت في بدء مرحلة يفترض أن تكون مختلفة، وفي أنّ الجيش الذي يسير خلف القرار السياسي قد بدأ يتحرر من بعض أعباء المرحلة القديمة.
العملية الأمنية نُفّذت على الأرجح بتنسيق مع "حزب الله"، الذي وجد أنّ الجناح المسلح الذي ألبس لباس عائلة المقداد كماركة مسجلة، أحدث أضراراً بالغة في صورة الحزب، الذي لا يحتاج الآن إلى مشاهد مكبرة أو مصغرة عن السابع من أيار.
راقب الحزب التخبّط السوري اللاهث إلى خلق فتن متنقلة، ولم يستطع الاعتراض. وإذا كان صحيحاً أنّ الفتنة التي نجح النظام في زرعها في طرابلس، بمساعدة من "حزب الله" تارة عبر تسليح منطقة بعل محسن ودعمها، وطوراً عبر خلق بؤر مسلحة في قلب طرابلس كعائلة الموري، وإذا كان صحيحاً أنّ كل ذلك لا يقترب من حذر الحزب في هذا التوقيت من خلق فتنة مذهبية، فإنّ ما حدث في الضاحية بعد إيقاظ الجناح العسكري، بدا وكأنّه لعب مكشوف من النظام برصيد لا يريد "حزب الله" استعماله أقلّه الآن.
يكفي استعراض بعض المؤشرات منذ اختطاف حسان المقداد في سوريا، لتلمّس المشهد الذي نتج عن الخطف المشبوه. في الساعات التالية لعملية الخطف، كان كل شيء حاضراً، بنية مسلحة تقوم بعمليات خطف مبرمج، يظهر ملثمون معروفون من كل الأجهزة الأمنية على وسائل الإعلام وتفتح الشاشات للحدث بغية نشر الهلع. إشاعات تصل بسحر ساحر إلى وسائل الإعلام التي تنشرها على شكل حقائق، تتحدّث عن مقتل المخطوفين في سوريا، كل ذلك لتحصل حال اهتياج شعبية. قطعٌ متكرّر لطريق المطار ليكتمل مشهد العنف والفتنة.
وفق المعلومات التي رشحت، فإنّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله كان زار سوريا قبل ساعات من اختراع الجناح العسكري، الذي يرجح أنّ مسؤولاً أمنياً لبنانياً سابقاً، قد هندسه كخيار للاستعمال، ردّاً على توقيف ميشال سماحة. ولم تكن موافقة "حزب الله" على العملية ضرورية، من وجهة نظر النظام، فهو ربما سعى إلى الاعتراض وفشل، كونه يعرف أنّ المردودية من هكذا عملية لا يمكن أن تنتج ما أنتجه السابع من أيار في هذا التوقيت السيّئ.
لم يمنع "حزب الله" عملية الجناح العسكري. فعائلة المقداد ومَن يتكلم باسمها، هي إبن شرعي للحزب، لا ينفع معه إن تمرّد، استعمال العصا الغليظة، فالمشكلة ستنتقل عندها إلى داخل البيت، وهو ما يحاذر الحزب الوصول إليه، (لم يكن الصدام بين آل المقداد وأحد مسؤولي الحزب الذي بثّ على الهواء مجرد تمثيلية). هكذا نفّذ النظام السوري العملية، من الألف إلى الياء، وهو يعرف أنّ حلفاءه يعرفون ويجاهرون، أمنيين وسياسيين، أنّه المسؤول عن خطف حسان المقداد، وأن حلقات المسلسل التالية تمّت بإشراف مباشر منه.
في مسألة توقيف الجيش حسن المقداد، ما يُنبئ برسائل كثيرة. لا شكّ أن هذا التوقيف من وجهة نظر الجيش يؤدي إلى نتائج كثيرة. فهو سيساهم في تخفيف الضغط الذي ستمارسه قوى 14 آذار بعد إطلاق الضباط الثلاثة، هذا صحيح. لكنه في المقابل لن ينفصل عن مسار اتّبعه الجيش ويستكمله في قضية جناح المقداد. إعتقال ثم إفراج عن بيت الموري ومصادرة أسلحة هناك، وتوقيف هنا لحسن المقداد بعملية أمنية، لم يجرؤ بعدها القيّمون على عملية الخطف، على إطلاق طلقة نار واحدة، ولم يستهدفوا أي عسكري من الذين نشرتهم قيادة الجيش في الضاحية للتمويه أو لتنفيذ العملية. ما جرى كان حسب ما وصف في دوائر تقرأ الخلفيات والنتائج، تفكيكاً لبنية رُتّبت لتكون منصّة لخلق الفوضى والفتنة. وتبعاً لذلك سيكون توقيف المقداد وملاحقة شقيقه خطوة أولى على طريق هذا التفكيك، فقائد الجناح العسكري أصبح بعهدة الأجهزة الأمنية، وسيحول إلى القضاء، وهذا يعني أن الجيش دخل عملية التفاوض لإطلاق سراح المخطوف التركي، من باب إضعاف وضعية الخاطفين، في الحي المسمّى حي آل المقداد في الرويس، الذي تسكنه 17 ألف نسمة.
في هذا التفاوض الذي أضعف فيه عامل التأثير المبتكر من النظام السوري، بدا واضحاً أن "حزب الله" ينتظر من دون أن يتدخل، انتهاء الجيش من الضغط على الجناح العسكري وتطويقه. كل ذلك يتم على إيقاع تفاوض تركي – إيراني لإطلاق سراح المخطوف التركي (اقترب إطلاقه)، في مقابل مساعدة تركيا على إطلاق سراح اللبنانيين والإيرانيين المخطوفين في سوريا.