بين «قانون عون» للانتخابات (النسبية في 13 دائرة) و«قانون جعجع» (نحو 61 دائرة في نظام أكثري)، الفارق هو أكثر من عشرة نواب مسيحيين يمكن للقانون الثاني أن يضيفهم إلى فئة النواب الذين يصلون بأصوات الناخبين المسيحيين. مع ذلك، يتمسّك «الجنرال» بـ«قانونه».
كان كل شيء على ما يرام في لجنة بكركي للانتخابات النيابية. وتوصّل المجتمعون، بمن فيهم ممثلو العماد ميشال عون، إلى نتيجة واضحة. ما دام المشروع الأورثوذكسي مرفوضاً، فالخيار هو الآتي: الأفضلية للدوائر الصغرى (بين 51 و61) في ظل نظام أكثري، وإلّا فالنظام النسبي على أساس 15 دائرة.
ووفقاً لأبحاث اللجنة، فإنّ القانون الأول قادر على تحسين التمثيل المسيحي الفعلي في المجلس النيابي إلى حدود تفوق الـ57 نائباً من أصل 64. أمّا الثاني فيتجاوز الـ50 بقليل.
وعلى رغم هذا التوافق، طال الانتظار ولم يخرج الدخان الأبيض من الصرح. وتبيّن أنّ "الجنرال" ترك ملائكته في بكركي غارقة في النقاشات "حول جنس الملائكة"، وقفز بوزرائه إلى مجلس الوزراء في بعبدا. هناك وافق هؤلاء على مشروع قانون لا هو الخيار الأول في بكركي، ولا هو الثاني. فهو يعتمد النسبية، ولكن في 13 دائرة بدلاً من 15. وفي فارق الدائرتين الذي قد يوحي بأنّه هامشي، فارق شاسع في القدرة على تمثيل أفضل للمسيحيين. فهو مجحف لهم في بيروت، ويذوِّب جزين في دائرة تصل امتداداتها إلى صيدا والزهراني وصور، ويضمُّ جبيل إلى كسروان. وفي الخلاصة، لا يمكن لهذا القانون أن يوفّر أكثر من 47 نائباً مسيحياً من أصل 64.
لم يشرح عون أو أركانه حتى اليوم لماذا قفز فوق أبحاث بكركي، ولماذا لم يقاتل لاعتماد القانون الأكثري أوّلاً، وإلّا فالقانون التالي. لكنّ الأوساط التي تتواصل مع الرابية تؤكد أن عون اكتشف أنّ قانون الدوائر الصغرى سيأتي بغالبية مسيحيّة لفريق 14 آذار. والاستطلاعات التي تجريها الجهات المعنية تؤكّد نمو القوى الآذارية المسيحيّة شعبياً، ولا سيّما "القوات اللبنانية"، على حساب عون. وحتى قانون الـ 15 دائرة، سيحمل غالبية لفريق 14 آذار. لذلك، ترك عون لجنة بكركي منشغلة بنقاشاتها وقفز لإقرار قانون الـ13 دائرة في مجلس الوزراء.
وهناك اقتناع متزايد أنّ عون يدرس خياراته للانتخابات النيابية وفقاً لطموحاته. وتحديداً: هل ستأتي انتخابات 2013 بالعدد الكافي من النوّاب الذين سينتخبونه سنة 2014 رئيساً للجمهورية أو لا؟ فطموحه إلى الرئاسة يصبح بلا معنى إذا مرّ عليه استحقاق 2014 كما استحقاق 2008، لأن الوقت له ثمنه.
الخائف من التمديد
ويتردّد في بعض الأوساط أنّ ما مِن أحد منزعج من المواقف الأخيرة للرئيس ميشال سليمان أكثر من العماد عون. فهو يضع قلبه على يده، لاعتقاده أنّ مواقف الرئيس تستجيب للدور المطلوب من هذا الموقع، لبنانياً وعربياً ودولياً، وهي تدعم احتمال التمديد له، إذا قضت الظروف بذلك. ولا يريد عون أن يصدّق التعهدات التي أطلقها الرئيس مراراً: لا أريد التمديد ولا أقبل تأجيل أي استحقاق، لا النيابي ولا الرئاسي!
فالعماد عون يرغب في أن تُجرى الانتخابات النيابية في حال واحدة: إذا كانت تؤمّن الغالبية المطلوبة لانتخابه رئيساً، ومن دون كتلة النائب وليد جنبلاط. وهو لذلك يريد القانون الذي يكون فيه "حزب الله" قادراً على توفير نوّاب مسيحيين له. وإلّا فالأفضل تأجيل الانتخابات حتى إشعار آخر. وهكذا يصبح المشروع الذي أقرّه مجلس الوزراء مبرَّراً. وإلّا فالعودة إلى قانون 1960 الذي اعتبره عون انتصاراً للمسيحيين، علماً أن الانتخابات التي جرت على أساسه في العام 2009 جاءت بغالبية لفريق 14 آذار.
لكنّ مشكلة عون مع الوقت تكمن أيضاً في أنّ عقارب الساعة السورية تدور خلافاً لما يريده هو والحلف الذي ينتمي إليه. وإذا تعذّر عليه الحصول على غالبية نيابية سنة 2013، فالأرجح أنّ الأمر سيكون أكثر صعوبة في ما بعد. وهناك مَن يعتقد أنّ عون نفسه سيطرح على نفسه أسئلة عن جدوى استمراره في هذا الحلف، وربما تدفعه الحسابات والطموحات إلى إعادة التموضع. وسبق لـ"الجنرال" أن تموضع إلى جانب "حزب الله" ونظام الرئيس بشّار الأسد بعدما بنى أمجاده السياسية في محاربتهما. وهو بعث بإشارات في الأشهر الأخيرة، مباشرة ومن خلال أقرب المقربين، توحي بأنّه قد يتخلّى عن "التفاهم". وفي زمن الانقلابات الكبرى في المنطقة، لا يمكن استبعاد المفاجآت التي تأتي أحياناً ولو متأخّرة.