أوضح مصدر كنسي بارز لصحيفة "السياسة" الكويتية أن مصير الزيارة الباباوية التي تقررت قبل حوالي السنة كان مدار بحث معمق في دوائر الفاتيكان طوال الأشهر الماضية بعد بروز مستجدات سياسية وأمنية خطيرة في لبنان وسورية وبعض دول المنطقة، ما طرح على بساط البحث إمكانية إلغائها أو تأجيلها، إلا أن البابا تدخل شخصياً في النقاش الدائر ورفض كل الحجج التي قدمها بعض المستشارين من كبار الكرادلة، بشأن مخاطر الزيارة. وقبل شهرين فقط اتخذ القرار النهائي بزيارة البابا لبنان في الموعد المحدد.
وعرض المصدر جملة الأسباب التي جعلت البابا يثبت موعد زيارته:
أولاً: يعتبر البابا أن للبنان موقعاً مميزاً في المشرق العربي، ودوراً هاماً في الحفاظ على التعددية الدينية في هذه المنطقة من العالم. وتقررت الزيارة لتدعيم وتعزيز هذا الموقع، سيما بعدما دفع النظام السوري شعبه نحو الاقتتال المذهبي والطائفي وبالتالي فإن الخطر بات يلامس لبنان، ما يعطي لزيارة البابا أهمية إضافية.
ثانياً: تميز الموقف المسيحي اللبناني من الثورة السورية بالارتباك والتردد وشابه الانقسام بين السياسيين وبين الروحيين، وقد أدرك البابا خطورة هكذا انقسام على الوضع المسيحي العام، فأراد من الزيارة توحيد موقف المسيحيين اللبنانيين والمشرقيين على حدٍّ سواء مما يجري في سورية، أي بدعم التغيير الديمقراطي بعيداً عن العنف.
ثالثاً: برزت في الأشهر الأخير سيناريوهات متعددة لمآل الوضع السوري، ومنها ما يتحدث عن تقسيم سورية إلى أربع دول، علوية وسنية وكردية ودرزية. والموقف الرسمي الحازم للفاتيكان هو رفض هذا التقسيم الذي يدفع نظام الأسد باتجاهه، لأنه يودي بمسيحيي سورية.
ويريد البابا الحفاظ الوجود المسيحي في سورية موحدة وديمقراطية. إلا أن الفاتيكان يدرك التعقيدات الدولية، وصراع النفوذ بين الدول العظمى,،ما جعله يخشى فعلياً من خيار التقسيم، ويخشى أكثر على التأثير السلبي الذي سيصيب لبنان بالتأكيد.
رابعاً: أراد البابا من خلال الإصرار على الزيارة التأكيد على نهائية الكيان اللبناني وعلى تنوع لبنان طائفياً ودينياً، حتى لو أقيمت دويلات مذهبية، موقتة أو دائمة، على حدوده. والزيارة هي أولاً رسالة إلى المجتمع الدولي بأن وحدة لبنان خط أحمر.
خامساً: إن الزيارة هي رسالة أيضاً للمجتمع اللبناني بضرورة إيجاد تسوية داخلية تاريخية تؤكد ثوابت اتفاق الطائف، وتؤسس عقداً جديداً بين اللبنانيين يبدأ بقبول جميع الفرقاء إقفال الأبواب أمام أي تداعيات سلبية قادمة من سورية، ويتناول حلاً للمسائل الخلافية مثل السلاح غير الشرعي وعوائق إقامة الدولة.
وخلص المصدر الكنسي المطلع إلى أن الأسباب التي دفعت بعض دوائر الفاتيكان للتفكير بالتأجيل، أي عواصف المنطقة،هي نفسها الأسباب التي جعلت البابا يصمم على الزيارة، فلبنان في عين العاصفة، وحمايته تتطلب جهداً دولياً استثنائياً، وتحتاج من باب أولى حكمة لبنانية من جميع الأطراف، والبابا يزور لبنان ليؤكد ذلك.