كتبت هالة حمصي في صحيفة "النهار":
بمعنويات الرجل القوي، الشجاع، ينظر الارمن اللبنانيون الى مستقبل مقلق. من النافذة، تضيق شوارع برج حمود ببيوتها، باهلها، الارمن وغير الارمن… وخصوصا بوجوه غرباء كثيرين. بين الحين والآخر، يتردد صدى احتكاك في هذا الشارع او ذاك، او اشكال هنا او هناك. هي الحال عينها في مناطق اخرى، باستثناء واحد هو ان برج حمود مشهورة بانها المعقل الاول للارمن في لبنان. فهل ما تزال كذلك، ارمنية، ام تغيّر واقعها في ظل تحولات ديموغرافية وسياسية واقتصادية؟
"نعم، الارمن بخير في برج حمود، وكل لبنان"، يطمئن النائب آغوب بقرادونيان من موقع السياسي والحزبي المتابع من كثب. في خانة "القديم"، وليس الجديد، يضع ما تشهده منطقته من وقت لآخر. "كان ذلك دائم الحصول"، يقول. ويقينه ان "الموضوع ليس سياسيا، رغم ان بعض الاعلام والافرقاء السياسيين حاول استغلاله سياسيا".
الموضوع، كما يفصله، هو ان "برج حمود، تلك المنطقة السكنية، صارت، لأسباب اقتصادية بحتة، تجمعا لعمال اجانب من مختلف الجنسيات ومسكنا لهم من اعوام طويلة. وقد عمد عدد من الملاك الى تأجيرهم شققهم. وبالمردود المالي، اشتروا شققا خارج المنطقة وغادروها. ولكن بسبب تعارض في التقاليد والعادات، يحصل احيانا نوع من الاحتكاك ما بين سكان محليين وعمال. وقبل نحو 7 او 8 اشهر، طُلب من البلدية قوننة الايجارات. وبهذه الخطوة، هدأت الامور بعض الوقت. ولكن ما ان يختفي عامل ما، حتى يبرز آخر. وهذه الحال ليست خاصة ببرج حمود وحدها، انما ايضا يمكن ملاحظتها خارجها. لكنهم حولوها الى سوريين ضد النظام السوري او معه. غير انهم مجرد عمال يسعون الى لقمة عيشهم".
ايا يكن الامر، فإن هذا الوضع "ليس مريحا" للارمن. صريح بقرادونيان في هذا الخصوص، وخصوصا تجاه "مسؤولية الدولة" في الامساك بالوضع الامني في برج حمود وغيرها. "لا، ليست مسؤولية حزب الطاشناق. نحن لا نقفل المنطقة، وليس لدينا امن ذاتي. نحن ضد هذا المنطق. الامن مسؤولية الدولة. واذا لم تكن قادرة، فعلينا تقوية قدراتها وقدرات القوى الامنية. وانا متفائل تجاه ذلك".
وبتفاؤل ايضا، ينظر بقرادونيان الى المستقبل من نافذته الارمنية الجميلة. رغم انخفاض عدد الارمن في برج حمود على مر الاعوام، "ربما بنحو 20%"، وفقا لتقديرات، نتيجة تحولها منطقة صناعية – تجارية، فإن "اعداد كبيرة منهم يعودون اليها حاليا"، يؤكد. "استراتيجية" موقع المنطقة وكونها ارخص من غيرها سكنيا، يجعل "من لديه عمل فيها، اما يعود ليستأجر فيها، او يرمم منزله القديم ويعود ليسكنها". ويتدارك: "لا يمكن القول ان برج حمود هي المعقل الاساسي للارمن اليوم، لا بل بات معقلهم يمتد من برج حمود الى انطلياس، وصولا الى اعالي بيت الككو".
واذا كان المعقل توسع، ساحلاً ووسطاً، فإن "الامانة" للمعقل الاول تبقي حزب "الطاشناق" في برج حمود، حضورا فاعلا ومقرا رئيسا. "التحولات العقائدية وبعض التفكير في تجربة الاحزاب وافلاس العقيدة" لم تكن مؤثرة على شعبية الحزب، بحيث "زادت كوادره بنسبة 20% و 25%، في شكل اكثر مما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي"، يفيد بقرادونيان. "لدينا جيل جديد من الشباب الذين ينتسبون الى الحزب، اضافة الى النساء… الحزب موحد وسيبقى موحدا، والحال الشعبية الى جانبه. وقد اثبتت الانتخابات ذلك".
صلابة وحب الحياة والنضال تجري في دم الارمن. وفي ثقة بقرادونيان، الكثير منها. "لا اعتقد ان من تمكن من العيش تحت الاستبداد والظلم التركي – العثماني، لا يقدر ان يعيش في ظل هذه التحولات". ولعل الدليل الى صلابة الارمن و"تمسكهم بارضهم"، غياب حركة نزوح حقيقية لهم من سوريا الى لبنان: "هناك بعض التنقلات داخل سوريا، سعيا الى الامان. وفي لبنان، فان اعداد النازحين منهم ضئيلة جدا، اي عشرات"، يفيد.
من برج حمود الى المنطقة العربية، الوجود الارمني "متجذر"، والتراب العربي مجبول بدماء ارمن شهداء. "لا نعتبر انفسنا طارئين على المنطقة. نعم نحن اقلية عددية، كغيرنا من الاقليات المسيحية. لكننا جزء لا يتجزأ من الكيان العربي"، يقول. "الخوف من المجهول" يهجس به الارمن، ولا شيء يعالجه سوى "تحمل الحكم الجديد مسؤولية التعاطي مع كل المواطنين، ايا يكونون بمساواة… هذه هي مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي".
يعول بقرادونيان الكثير على الانظمة الجديدة في المنطقة، مع انه يدرك "ان مستقبل الدول العربية ليس بيد العرب، للأسف". وماذا عن لبنان؟ في تحليله للامور، يجد ان "الوضع السياسي دائم التأثر بالتطورات العربية والاقليمية، لاسيما في هذه المرحلة، وتحديدا في سوريا". “عقدة اللجوء الى الخارج وعدم الوصول الى سن الرشد لاتخاذ القرار الحر، والقيود الخارجية" لم يتحرر منها اللبنانيون، يقول صراحة.
في "كف" مستقبل لبنان، يقرأ حالة سياسية غير مستقرة محتملة، ولن تهدأ الا اذا توصل كل الافرقاء الى عقد سياسي للمحافظة على مصلحة لبنان واعتبارها فوق كل مصلحة". بموجب ذلك، تبقى، في رأيه، "هيئة الحوار الوطني الملاذ الاخير للوصول الى الحلول… لكن لا يمكن الذهاب الى الحوار، وكل فريق يحمل في جيبه شرطا. علينا التحرر من الشروط، لانها تعني ان ثمة قيودا على طاولة الحوار".
امنيا، "لبنان الساحة" لا يزال واقعا، في رأيه، "لان المخابرات الخارجية ترى فيه المساحة الكافية للعب، ولحل مشكلات او مسائل خارجية… وهناك ايد تطمح الى ضرب ما تبقى من استقرار وامن في البلد، وهذه مسؤولية الجميع". من موقع القارئ العالم، يحذر من ان "استهداف القوى العسكرية والامنية اللبنانية، ايا تكن، استهداف للامن والاستقرار. لذلك يجب ان نرسم خطا احمر على ثوابت معينة: الحرية والسيادة والتعايش، الجيش والقوى الامنية". وتبقى في القلب وعلى اللسان كلمة واحدة: الدولة. "نعم، ستستمر، ولن يستمر سواها… الدولة والدولة وحدها سبيلنا الوحيد".