#dfp #adsense

“الجمهورية”: ما المفاعيل السياسية للقاء الراعي – جنبلاط؟

حجم الخط

كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":

تميّز أوساط سياسية بين زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى المختارة، وزيارة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في العام 2001، والتي وُصفت بـ«التاريخيّة».

فزيارة صفير لم تكن مصالحة شعبية بقدر ما كانت تحالفاً سياسياً أدّى إلى ولادة لقاء "قرنة شهوان" الذي كان المركّب الأساسي فيه البطريرك صفير والرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط وبعض الزعامات المسيحية، والذي استتبع فيما بعد بنداء المطارنة الموارنة، وصولاً إلى "ثورة الأرز". وعلى هذه الخلفية عندما تحدّث جنبلاط أمام الراعي، وصَفَ صفير بأنّه "السلف الصالح"، كدلالة عمّا يكنّه سيد المختارة للكاردينال صفير من مودّة خاصة وتقدير عميق. وفي هذا السياق، لا بدّ من التذكير بغياب وزراء "جبهة النضال" عن مرافقة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في زيارته إلى الديمان مع عشرة من وزرائه، الأمر الذي فسّرته مصادر مراقبة على أنه ردّ على عدم شمول قصر المختارة في الزيارة الشوفية الأولى للبطريرك الراعي.

من هذا المنطلق، لم تأتِ زيارة الراعي إلى قصر المختارة صدفة، بل سبقتها اتّصالات مكثّفة وتمنّيات ومشاورات أجراها النوّاب المسيحيّون في قوى 14 آذار مع سيّد الصرح بهدف إتمامها، في محاولة لرأب الصدع بين بكركي والمختارة، ولتحصين المصالحة المسيحيّة ـ الدرزية، وحسب مصادر نيابية في "جبهة النضال"، فإنّ الزيارة حُدّدت قبل حصولها بساعات. وكشفت أنّ الراعي يوم الجمعة الفائت، أي قبل يومين من موعد الزيارة، سأل أحدَ النواب السابقين عن رأيه بزيارة قصر المختارة وجدواها في هذه الظروف، ما يؤكّد تريث البطريرك قبل أن يحسم خياره. وعليه، فإنّ إصرار الراعي على إعداد كلمة مكتوبة تلاها في المختارة، لا سيّما أنّه ضليع في الارتجال، مردّه إلى دقّة الوضع بين الرجلين، ولكي لا تؤخذ عليه أي هفوة، حسب المصادر نفسها. وبالتالي، فإنّ جنبلاط كان ودوداً حينما كشف للراعي أنّه أعطى تعليماته لأركان حزبه للحشد والمشاركة بكثافة في استقبال البابا بينديكتوس السادس عشر، فردّ عليه البطريرك بأنّ هذا الموضوع هو في عهدة البروتوكول التابع للقصر الجمهوري، ما أوحى ببرودة ما في العلاقة.

أمّا ماذا عن مفاعيل الزيارة السياسية، فتكشف المصادر نفسها أنّ جنبلاط ركّز على نقطتين أساسيتين، أوّلهما استكمال المصالحات في بريح وكفرسلوان، ولا سيّما لجهة حلّ معضلة البيت الدرزي في بريح، وكان واضحاً ميله إلى جانب المسيحيين من خلال عودة الأملاك إلى أصحابها. أمّا النقطة الثانية والأهم عند جنبلاط، فهي قانون الانتخاب الذي يبقى هاجسه الأول والأخير في هذه المرحلة بخلفياته السياسية والمستقبلية، وقد أعاد تذكير البطريرك بما سبق وفاتحه به حول ضرورة اعتماد قانون 1960، لما في ذلك من إيجابيات تحافظ على دور الأقليات، وخصوصاً الطائفتين المسيحية والدرزية، مفنّداً له مخاطر اعتماد النسبية التي تلغي الآخر لمصلحة الأكثريات التي تملك المال والسلاح والامتدادات الإقليمية، وهنا كان ردّ البطريرك بضرورة إيجاد قانون يحافظ على الجميع، ولا يكون إلغائياً لأيّ طرف، إذ حاذر مجاراة جنبلاط في قانون 1960 كونه ملتزماً متابعة لقاءات بكركي حول الصيغ المطروحة، وبالتالي فإنّه لا يريد إغضاب النائب ميشال عون الممتعض أصلاً، وحسب المعلومات، من زيارة البطريرك إلى المختارة، في ظل عدم هضمه للعلاقة مع جنبلاط.

من هنا، كانت الزيارة للمجاملة وفي إطار اللياقات التي اتّسمت بها أكثر من تأكيد خيارات سياسية معينة، لا سيّما قانون الانتخاب، إضافة إلى تأكيد مصالحة الجبل من أجل الحفاظ على التعايش المسيحي ـ الدرزي. والأيّام المقبلة ستكون كفيلة ببلورة موقف البطريرك من قانون الانتخاب بعد أن يكون قد تواصل مع عون والقيادات المسيحية، وعندئذٍ يُبنى على الشيء مقتضاه في سياق علاقته مع رئيس الاشتراكي إلى ما آلت إليه زيارة المختارة، ولا سيّما أنّ أي خلوة لم تُعقد بين الجانبين، بل جاء اللقاء في إطار جامع للوزراء والنواب والمشاركين وأمام الإعلاميين، ما يعني أنّ الطرفين على يقين بصعوبة التحالف السياسي على غرار زيارة الكاردينال صفير، وفي ظلّ انفتاح البطريرك على جميع القوى السياسية، مع الإشارة هنا إلى زيارة وفد "حزب الله" إلى الديمان قبل أيّام من زيارة المختارة، إلى توقّعات حول لقاء مرتقب يجمع الراعي وعون في وقت ليس ببعيد.
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل