كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
عاد الرئيس أمين الجميّل من تركيا «متّهماً» بتنظيم «مؤتمر قمة مسيحية – إسلامية» على هامش المؤتمر الذي دعا إليه مركز الدراسات الإسلامية التابع لجامعة مرمرة في إسطنبول برعاية رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان. ما هي حقيقة هذا الاتهام؟ وما الذي ميّز مشاركة الجميّل في المؤتمر؟
كان الرئيس أمين الجميّل السياسي اللبناني لا بل العربي الوحيد في البحر الديني للمشاركين من أصحاب القلنسوات والعمائم من مختلف الدول والمؤسسات الإسلامية في المؤتمر الذي نظمته الحكومية التركية عبر مركز الدراسات الإسلامية في جامعة مرمرة في إسطنبول بعنوان "صحوة الربيع العربي والسلام في الشرق الأوسط الجديد: وجهات نظر إسلامية ومسيحية"، والذي شاركت فيه 320 شخصية من علمانيين ورجال دين وروحيين من مختلف الدول وأكاديميّين من المعاهد والجامعات الدولية.
كلمتان لا ثالث لهما
إكتسبت مشاركة الجميّل أهمية خاصة وبالغة الدقة عندما خصّص المؤتمر كلمتين سياسيتين في حفل الافتتاح، واحدة للرئيس أردوغان راعي المؤتمر، وثانية للرئيس الجميّل، وهو أمر وضع الوفد اللبناني في عين المؤتمرين منذ اللحظة الأولى، فاستقطب اهتماماً لافتاً على رغم مشاركة مئات الشخصيات من عشرات الدول الإسلامية والعربية ومن مختلف قارات العالم.
الجميّل كان واضحاً منذ البداية، عندما سبغ على المؤتمر أبعاده الدولية والإقليمية، فوضعه بعنوانه وأهدافه في مسار المحاولات الكبرى القائمة للحوار بين الأديان والمذاهب والحضارات في العالم. ولم ينسَ الخصوصية التركية للمؤتمر والواقع العربي المأزوم. فأعاد التذكير بالمحاولات السابقة بدءاً من مقترحات أردوغان في خطاب جامعة القاهرة في 10 أيلول 2011 وصولا إلى المبادرة التي أطلقها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي دعا إلى قيام لجنة دائمة للحوار الدائم بين المذاهب الإسلامية وما بينهما، فوثيقة شيخ الأزهر التي استبقت المراحل التحضيرية للدستور المصري الجديد وتزامنت مع الدعوة إلى الحوار الإسلامي – المسيحي الذي اقترحه الجميّل منطلقاً من الحوار بين دوائر الفاتيكان ومشيخة الأزهر سعياً وراء وثيقة عربية وإسلامية ترشد الثورات في إطار "الربيع العربي". ما شهده حفل الافتتاح كان كافيا ليسطع نجم الجميل في المؤتمر منذ اللحظات الأولى، فتسلطت الأضواء على الوفد اللبناني من مختلف طوائفه ومذاهبه أينما توجّه في أرجاء المؤتمر وقاعاته وفاعلياته.
أردوغان رغب في قراءة لأحداث سوريا
إلى ذلك، كان اللقاء الذي عقده أردوغان مع الجميل ونائبه سجعان قزي والوفد المرافق في حضور وزير الخارجية أحمد داوود اوغلو، اللقاء السياسي الوحيد على هامش أعمال المؤتمر. فكان عفوياً بامتياز من دون تكليف، بعدما رغب أردوغان في أن يستمع من الجميّل عن نظرة اللبنانيين والمسيحيين تحديداً إلى الوضع في سوريا والمخارج الممكنة للخروج بالأزمة السورية التي باتت تُهدّد بتفجير المنطقة بأكملها.
فأكّد الجميل أنّ الأزمة السورية باتت أكبر من كل القدرات المحلية وتحوّل الملف السوري ورقة من أوراق الأحلاف الدولية الكبرى التي تعصف بالعالم، وسوريا واحدة من هذه الملفات. ولفت الجميّل إلى الجهد الذي يبذله ليبقى لبنان على حياد من الأزمة السورية في اعتبار أنّ أياً منا لن يؤخر أو يقدّم في مجرياتها لا مع النظام ولا مع الثورة. وقال إنّ حيادنا لا يعني أنّنا نتفرج على مأساة الشعب السوري الذي يسعى إلى الحرية والديموقراطية والنظام الذي يكرّس التعددية في سوريا، ولا يجوز إلّا أن نُسجّل موقفاً متضامناً مع الشعب السوري كما التضامن الذي عبّر عنه العالم تجاه الشعوب العربية الأخرى وحريتها وحقها بأنظمة ديموقراطية تعددية يجري فيها تبادل للسلطة.
وفي جانب من اللقاء، عبّر أردوغان عن انزعاجه من طريقة التعاطي اللبناني في ملف المخطوفين اللبنانيين على الصعيد الرسمي الذي أوحى، ومعه المزاج الشعبي لدى فئة من اللبنانيين، بأنّ تركيا في موقع الخاطف والمتهم، ما عرّض سلامة رعاياها في لبنان للخطف والأذية فيما كانت تركيا تعمل للإفراج عن المخطوفين على خلفيات إنسانية لا سياسية ولا أمنية. فشرح الجميّل المساعي التي تقوم بها الدولة للإفراج عن المخطوفين وما تبلّغ من معلومات تزامنت مع اللقاء من عمليات دهم قامت بها وحدات الجيش سعياً إلى إطلاق المخطوفين وتوقيف الخاطفين. ومن دون الدخول في الكثير من التفاصيل، فقد عبّر أردوغان عن ارتياحه للّقاء الذي أجراه مع الجميل وعن قراءته للوضع في لبنان والمنطقة، معتبراً أنّ في ذلك ما يُشجّع بلاده على المضي بدور تركي إيجابي في المنطقة لإعادة بناء ما هدمته الحروب وتعزيز الديموقراطية وتأييد التحركات الشعبية في ما تصبو إليه.
تهمة تنظيم مؤتمر ثان!
وعلى هامش اللقاء التكريمي الذي أقامه الجميّل للوفد اللبناني بكل أعضائه وممثلي طوائفه ومذاهبه، كان لافتاً أنّ المؤتمر لم يشهد مثيلا لهذه المبادرة على رغم حجم الوفود المشاركة فيه. وهو أمر قاد اوغلو إلى الجميل مُبدياً إعجابه بالمبادرة. وقال له: "أرغب في توجيه التهمة مباشرة إليك بالدعوة إلى مؤتمر خاص بلبنان شبيه بالمؤتمر الذي سعينا إليه"، لا بل يمكن اعتباره مؤتمراً "موازياً لما قمنا به وأعتقد صادقاً، وما أدّعيه معرفة بالقيادات اللبنانية، أنّ ما قمت به قد يطمح إليه آخرون من بلدكم وليس في قدرتهم جمع ما جمعته حول شخصك".